6 شباط: يوم أسقط لبنان وحرم من مفاعيل السلام.. بشير الجميل كان على حق فمن يحاسب "الحركة الوطنية"
05-02-2026 10:03 PM GMT+02:00
غير أن هذا الادعاء، مهما تكرّر، لا يحوّله إلى حقيقة تاريخية. فالاتفاق الذي يزعمون إسقاطه لم يُوقَّع أصلًا، ولم يدخل يومًا حيّز التنفيذ، بل بقي نصًا معلقًا انتهى قبل أن يولد.
اتفاق 17 أيار 1983 أُقرّ في الحكومة اللبنانية ومرّ في مجلس النواب، لكنه سقط عمليًا عندما امتنع رئيس الجمهورية آنذاك أمين الجميّل عن توقيعه. لم يكن الامتناع قرارًا سياديًا حرًا، بل نتيجة مباشرة لموازين قوى فرضها السلاح، والضغط السوري–الفلسطيني، وانهيار الدولة في لحظة تاريخية مفصلية. أما ما جرى تسويقه لاحقًا على أنه “إسقاط للاتفاق”، فلم يكن سوى انقلاب داخلي مكتمل الأوصاف على ما تبقى من مؤسسات الدولة اللبنانية.
قوى ما سُمّي يومها “الحركة الوطنية”، التي كانت عمليًا تدور في فلك القرار الفلسطيني والسوري، احتفلت بذلك اليوم ونسبت لنفسها نصرًا وهميًا. لكنها في الواقع لم تُسقط اتفاقًا، بل أسقطت السيادة اللبنانية، وفتحت الباب أمام حقبة طويلة من الوصاية، والتحكّم الخارجي، وتفكيك الدولة، وتحويل لبنان إلى ساحة صراع بالوكالة.
السادس من شباط لم يكن يوم استعادة قرار وطني، بل يوم مصادرة القرار الوطني بالكامل. منذ تلك اللحظة، دخل لبنان في مسار انحداري: حروب متكررة، اجتياحات، اغتيالات، اقتصاد منهار، ومجتمع يُستنزف جيلاً بعد جيل. آلاف اللبنانيين دفعوا حياتهم ثمن شعارات كبيرة بلا مضمون، فيما الدولة تُفرغ من معناها، والمؤسسات تُشل، والسيادة تُختزل بخطابات خشبية.
بعد مرور 45 عامًا، يأتي التاريخ ليعيد طرح السؤال الجوهري الذي حاولوا دفنه: من كان على حق؟
بشير الجميّل، الذي رأى أن مصلحة لبنان تكمن في الخروج من دوامة الحرب وبناء دولة طبيعية تعيش بسلام مع محيطها، أم أولئك الذين ربطوا مصير البلد بصراعات إقليمية لا تنتهي؟
الوقائع لا تجامل أحدًا. مصر وقّعت اتفاق سلام فاستعادت استقرارها وبنت اقتصادها. الأردن فعل الأمر نفسه وكرّس أمنه وحدوده. حتى سوريا، التي رفعت أعلى شعارات “المقاومة”، أدارت صراعها بعقل بارد، عبر تفاهمات وضبط قواعد اشتباك، وحافظت على نظامها. وحده لبنان تُرك عالقًا في دور “الساحة”، يُدمَّر مرارًا، فيما الآخرون يعيشون الاستقرار والازدهار.
الاحتفال بذكرى 6 شباط ليس استذكارًا لحدث تاريخي، بل إعادة إنتاج لجريمة سياسية بحق لبنان. جريمة تعطيل فرص السلام، وجريمة تسليم البلد للوصاية، وجريمة استخدام اللبنانيين وقودًا لمعركة لم تكن يومًا معركتهم.
قد ينجح البعض في تزوير الرواية لفترة، لكن التاريخ في النهاية لا يُهادن. وما سقط في 6 شباط لم يكن اتفاقًا لم يولد أصلًا، بل سقط لبنان نفسه… ولا يزال يدفع الثمن حتى اليوم.
المصدر : Transparency News








