في مطلع فبراير 1928، سُجّل إنجاز علمي مفصلي غيّر مسار الصحة العامة والتغذية، بعدما نجح عالم ألماني في تصنيع فيتامين «د» مخبريًا لأول مرة، مكتشفًا الرابط الكيميائي بين أشعة الشمس وتكوين هذا العنصر الحيوي، ما فتح الباب أمام مكافحة أمراض واسعة الانتشار، أبرزها الكساح.


في بداية شهر فبراير من عام 1928، شهد العالم محطة تاريخية في الطب والتغذية مع أول عملية تصنيع مختبري لفيتامين «د»، أحد العناصر الأساسية في النظام الغذائي للإنسان. وتمكّن الكيميائي الألماني أدولف ويندوس من عزل مادة «الإرغوستيرول»، وهي الشكل الأولي أو «البروفيتامين»، ليثبت لاحقًا أنها تتحول إلى الشكل النشط من الفيتامين، المعروف باسم «إرغوكالسيفيرول»، عند تعريضها للأشعة فوق البنفسجية.

هذا الاكتشاف كشف للمرة الأولى العلاقة الكيميائية المباشرة بين ضوء الشمس وتكوين فيتامين «د» في الجسم، وهو إنجاز علمي أهّل ويندوس لنيل جائزة نوبل في الكيمياء، ورسّخ فهمًا جديدًا لآليات الوقاية من أمراض نقص التمعدن.

وتبرز أهمية هذا الاكتشاف عند استحضار معاناة المجتمعات، خصوصًا في المدن الصناعية المكتظة خلال بدايات القرن العشرين، من تفشي مرض الكساح بين الأطفال، وهو مرض يؤدي إلى لين وتشوه العظام نتيجة نقص التمعدن. ففي تلك المرحلة، كان علاج المرض يقتصر على زيت كبد الحوت أو التعرض لأشعة الشمس، من دون معرفة الآلية العلمية الكامنة وراء ذلك. وجاءت أبحاث ويندوس لتؤكد كيميائيًا أن الضوء يحفّز تحويل مركبات موجودة في الجلد إلى فيتامين «د» النشط.

وشكّل عزل فيتامين «د» في عشرينيات القرن الماضي نقطة تحوّل في الصحة العامة، إذ أدى بدءًا من ثلاثينيات القرن الماضي إلى إثراء الأغذية الأساسية، مثل الحليب والحبوب، بهذا الفيتامين، ما ساهم في القضاء شبه التام على مرض الكساح في العديد من دول العالم. كما امتد أثر هذا الإنجاز إلى الزراعة وتربية الحيوانات، حيث أتاح التزويد الصناعي بالفيتامين تربية حيوانات سليمة حتى في البيئات المغلقة بعيدًا عن أشعة الشمس.

ولا تقتصر أهمية فيتامين «د» على صحة العظام، رغم أنها تبقى الوظيفة الأساسية، إذ يُعد فيتامينًا ذائبًا في الدهون يعمل كهرمون داخل الجسم، مع انتشار مستقبلاته في معظم الأنسجة. وتتمثل مهمته المركزية في تنظيم استقلاب الكالسيوم والفوسفور، من خلال تعزيز امتصاصهما في الأمعاء وإعادة امتصاصهما في الكلى، ما يدعم صحة العظام، ووظائف الأعصاب والعضلات، وتخثر الدم، وصحة الأوعية الدموية.

وعلى صعيد المناعة، يلعب فيتامين «د» دورًا محوريًا في تنظيم نشاط الخلايا المناعية، ما يعزز قدرة الجسم على مواجهة العدوى. كما تشير دراسات إلى تأثيره الإيجابي المحتمل على صحة الجهاز العصبي وتنظيم المزاج، إضافة إلى دوره في دعم صحة القلب وتنظيم ضغط الدم وخفض مستويات «الهوموسيستين» المرتبطة بأمراض القلب.

وتتوافر أيضًا أدلة علمية متزايدة، وإن كانت لا تزال قيد البحث، حول دوره المحتمل في تقليل مخاطر الإصابة ببعض أنواع السرطان عبر تنظيم دورة حياة الخلايا. ومع ذلك، يشدد الخبراء على ضرورة التمييز بين علاج نقص فيتامين «د» المثبت مخبريًا وتناوله العشوائي كمكمل غذائي، مؤكدين أهمية استشارة المختصين والاعتماد أساسًا على التعرض المعتدل لأشعة الشمس والتغذية السليمة.


المصدر : وكالات