خاص - نعيم قاسم اللبناني وأونودا الياباني: حرب انتهت وخطاب من زمن الحرب العالمية الثانية
07-02-2026 07:46 AM GMT+02:00
أونودا لم يكن جاهلًا تمامًا. المنشورات وصلته، والأخبار سمعها، والرسائل قرأها، لكنه قرر أن الحرب لم تنتهِ. ليس لأن الأدلة غائبة، بل لأن الاعتراف بنهايتها كان يعني انهيار كل ما يؤمن به: مهمته، شرفه العسكري، ومعنى وجوده. لذلك، اختار أن يطعن الواقع لا أن يواجهه، وأن يعيش حربًا وهمية بدل أن يسلّم بأن العالم تغيّر من دونه.
هذا النموذج الذهني ذاته يتكرّر اليوم، لكن ليس في أدغال الفلبين، بل في قلب لبنان، وعلى لسان الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم. فبعد حربٍ مكلفة سياسيًا وعسكريًا واستراتيجيًا، وبعد تغيّر واضح في موازين القوى، وبعد انكشاف محدودية “قواعد الاشتباك” التي لطالما روّج لها الحزب، لا يزال الخطاب الرسمي يرفض أي توصيف للخسارة، بل يصرّ على إعادة إنتاج لغة “الانتصار” وكأن الزمن توقّف عند البيانات التعبوية.
المفارقة القاتلة أن هذا الإنكار لا يحصل في عزلة. العالم كلّه يتحرّك أمام أعين الحزب. إيران، الراعي السياسي والعسكري والمالي، دخلت في مسار تفاوض مباشر مع الأميركيين، تراجع خطاب المواجهة الوجودية، تغيّرت الأولويات، وأصبح الحفاظ على النظام وتخفيف الضغوط الاقتصادية هدفًا أعلى من إدارة الحروب بالوكالة. ومع ذلك، يتصرّف الحزب في لبنان كأن شيئًا لم يتغيّر، وكأن الذراع لم تبلغه رسالة الرأس.
هنا يصبح الإنكار سياسة، لا مجرد خطاب. الاعتراف بالخسارة لا يعني فقط مراجعة عسكرية، بل يفتح الباب على أسئلة وجودية خطيرة: ما جدوى السلاح إذا لم يحمِ؟ ما معنى الردع إذا لم يردع؟ ولماذا دُفع لبنان كل هذا الثمن إذا كانت النتيجة عودة إلى نقطة سياسية أدنى؟ هذه الأسئلة لا تهدّد صورة الحزب فحسب، بل تهدّد الأساس الذي بُنيت عليه شرعيته داخل بيئته، ولذلك يتم دفنها تحت خطابات مطوّلة عن الصمود والإنجازات غير القابلة للقياس.
لكن الفرق الجوهري بين أونودا ونعيم قاسم أن الأول كان جنديًا منفذًا، معزولًا، أسير أوامر لم تُلغَ، فيما الثاني يقود تنظيمًا يمسك بدولة كاملة رهينة إنكاره. أونودا لم يدمّر وطنًا وهو يرفض الاعتراف بانتهاء الحرب، أما حزب الله فيدير بلدًا مأزومًا وكأن الاعتراف بالواقع خيانة، وكأن الخسارة أخطر من استمرار الانهيار.
حين جاء الأمر المباشر من قيادة أونودا، سلّم سلاحه فورًا. لم يناقش، لم يفاوض، لم يراوغ. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس إن كان نعيم قاسم يدرك حقيقة ما جرى، بل متى سيأتيه “الأمر” السياسي بالاعتراف، وهل سيأتي أصلًا. والأخطر: هل سيُترك لبنان معلّقًا بين حرب انتهت واعتراف لم يحصل، فقط لأن تنظيمًا يرفض أن يخرج من الحرب ذهنيًا؟
التاريخ لا يرحم من ينكر نهايات الحروب. الإنكار قد يؤجّل المحاسبة، لكنه لا يلغي الوقائع. والحروب التي لا يُعترف بانتهائها لا تتحوّل إلى انتصارات متأخرة، بل إلى أعباء مفتوحة تُدفع من مستقبل الأوطان. لبنان اليوم لا يحتاج إلى مقاتل يصرّ أن المعركة مستمرة، بل إلى شجاعة سياسية تعترف أن الحرب انتهت… وأن الاستمرار في إنكارها هو الهزيمة الحقيقية.
المصدر : Transparency News








