تشير حركة القرارات والإجراءات الحكومية في الأسابيع الأخيرة إلى تحوّل ملحوظ في مستوى حضور الدولة ودورها، بعد سنوات من التراجع والجمود. من تحريك مساعدات الإيواء وإصلاح البنى التحتية في الجنوب، إلى معالجة ملف الأبنية المتصدعة في طرابلس، وصولاً إلى مناقشة الرواتب الجديدة للقطاع العام، تبرز مؤشرات على مسار تصحيحي يعيد تكريس الدولة كمرجعية مسؤولة وراعية.


تعكس القرارات والإجراءات الحكومية الأخيرة دينامية متصاعدة في أداء الدولة، بعد مرحلة طويلة من التراجع والشلل المؤسسي. فتحريك مساعدات الإيواء وإطلاق ورش إصلاح البنى التحتية في الجنوب، بالتوازي مع التنفيذ الفوري لقرارات السراي لمواجهة تداعيات مآسي الأبنية المتصدعة في طرابلس، إضافة إلى الاستعداد لمناقشة الرواتب الجديدة للقطاع العام، تشكّل مجتمعة مؤشرات واضحة إلى إرادة سياسية لإعادة تثبيت دور الدولة كمرجعية راعية ومسؤولة عن مواطنيها، لا كمجرد إدارة تواكب الأزمات.

في ملف الإيواء وإعادة التأهيل، تبدو المقاربة الرسمية متجهة إلى تجاوز منطق ردّات الفعل الظرفية نحو آلية أكثر انتظاماً، تقوم على التدخل السريع وتوفير الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي للمتضررين. ويعكس ذلك فهماً متجدداً لوظيفة السلطة العامة بوصفها الضامن الأول لكرامة المواطنين وسلامتهم، بعيداً عن الاكتفاء بدور الوسيط الإداري أو الاستسلام لهيمنة أطراف الأمر الواقع، التي ساهمت سابقاً في نشوء مظاهر “دويلات” داخل الدولة.

أما في طرابلس، فإن التعاطي الجدي مع ملف الأبنية المهددة بالسقوط، وتنفيذ القرارات الصادرة عن السراي من دون إبطاء، يحمل رسالة واضحة مفادها أن لا مناطق متروكة ولا ملفات منسية. فاستعادة ثقة المواطنين تبدأ من إحساسهم بحضور الدولة في تفاصيل حياتهم اليومية، وبتحمّلها مسؤولياتها الكاملة، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالسلامة العامة والحق في السكن الآمن.

وفي موازاة ذلك، تكتسب مناقشة الرواتب الجديدة للقطاع العام أهمية مضاعفة. فالإنصاف المطلوب للعاملين في الإدارات والمؤسسات الرسمية لا يقتصر على تحسين الأجور، بل يرتبط بإعادة الاعتبار إلى الإدارة العامة كركيزة لانتظام العمل الوطني. دعم الموظفين في ظل الضغوط المعيشية يشكّل استثماراً مباشراً في استقرار الدولة وكفاءة مؤسساتها ورفع مستوى أدائها.

ورغم الضغوط الكبيرة التي تعاني منها الخزينة وضيق هامش الحركة المالية، فإن تحريك هذه الملفات يوحي بأن الإدارة المالية الحالية نجحت في تحسين مستوى الواردات وضبط بعض مكامن الهدر، ما أتاح هامشاً يسمح باستعادة الدور الاجتماعي والإنمائي للدولة تدريجياً. غير أن ذلك لا يعني انتهاء التحديات، بل يؤشر إلى انطلاق مسار تصحيحي عنوانه إدارة مالية أكثر فاعلية، وإنفاق موجّه نحو الأولويات.

إن عودة الدولة إلى تحمّل مسؤولياتها لا تتحقق عبر الشعارات أو المزايدات الانتخابية، بل عبر التراكم العملي للقرارات التنفيذية الملموسة. وما يجري اليوم، رغم الصعوبات، يؤسس لإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، ويعيد الاعتبار لمفهوم الدولة القادرة على الرعاية والحماية والإنصاف حتى في أكثر الظروف تعقيداً.


المصدر : اللواء - صلاح سلام