المواجهة الحتمية مع "المنظومة""… هذه خطيئة كريم سعيد
16-02-2026 09:11 PM GMT+02:00
منذ اللحظة التي خرج فيها كريم سعيد إلى العلن، في مؤتمر صحافي غير مسبوق بوضوحه وحدّته، تغيّر المشهد. للمرة الأولى، يتحدّث حاكم مصرف لبنان عن التمويل غير الشرعي بلا مواربة، يضع ملف «القرض الحسن» على الطاولة، يسمّي «مؤسسة جود»، ويعلن صراحة التقدّم بدعاوى قضائية ضد الحاكم السابق وضد عدد من أصحاب المصارف المتورطين في منظومة الفساد المالي. في تلك اللحظة، لم يكن سعيد يقدّم تشخيصًا ماليًا، بل كان يعلن بداية مواجهة.
وكان طبيعيًا أن تأتي المواجهة قاسية.
ما انطلق بعد ذلك لم يكن نقاشًا مهنيًا حول السياسات النقدية، ولا سجالًا قانونيًا حول الصلاحيات، بل حملة منظمة وشرسة، استهدفت الرجل في موقعه وخياراته، لا في أرقامه. هجوم شخصي–سياسي، هدفه واضح: كسر الاندفاعة، وتشويه المسار، وإعادة حاكم المصرف المركزي إلى حجمه «المطلوب» داخل المنظومة.
في بلدٍ اعتاد على حكّام مصرف مركزيين يديرون التوازنات بدل أن يفرضوا القوانين، جاء كريم سعيد ليقلب الطاولة. قال ما لم يكن يُقال: إن لبنان لا يمكن أن ينهض من دون مسارين متلازمين لا فكاك بينهما: إصلاح مالي–اقتصادي جذري يضرب مصالح المنظومة الفاسدة، وإصلاح سياسي سيادي يبدأ بإزالة سلاح حزب الله ودور الميليشيا في الدولة. بهذه الجملة وحدها، دخل الرجل تلقائيًا في خانة «الخطر».
اللافت في الحملة التي شُنّت عليه أنّ من قادها ليسوا أصحاب وزن اقتصادي فعلي، ولا شخصيات مالية ذات صدقية، بل وجوه اعتادت لعب دور الأبواق. فجأة، صار كريم سعيد «يحرّض الأميركيين»، و«يستقوي بالخارج»، و«يستهدف العهد ورئيس الجمهورية». اتهامات جاهزة تُستخرج عند الحاجة. والسؤال البديهي هنا: لماذا الآن؟ ولمصلحة من؟
الجواب، لمن يريد أن يرى، واضح كالشمس. المستفيدون من وقف كريم سعيد هم أنفسهم الذين تضرروا مباشرة من فتح ملفات التمويل غير الشرعي، ومن كسر المحرّمات التي لطالما حمت منظومة المال الفاسد، ومن الاقتراب الجدي لأول مرة من شبكة المصارف والمموّلين المحميين سياسيًا. هؤلاء يعرفون جيدًا أن كريم سعيد هو أول حاكم مصرف لبنان منذ سنوات طويلة يطبّق القانون بدل الالتفاف عليه، ويضع نفسه في مواجهة مباشرة مع منظومة مترابطة من المال والسياسة والسلاح.
دخل سعيد إلى قلب «اقتصاد الكاش»، هذا الاقتصاد الموازي الذي تحوّل إلى مظلة لتبييض الأموال وتمويل النفوذ. وطالب الدولة، من دون مواربة، بإعادة حقوق مصرف لبنان التي تتجاوز الخمسين مليار دولار، باعتبارها المدخل الوحيد لإعادة الانتظام المالي، وحل أزمة المودعين تدريجيًا، ومعالجة ملف اليوروبوندز، وإعادة هيكلة الدين الخارجي، واستعادة ثقة الخارج بلبنان، تمهيدًا لرفع اسمه عن اللائحة الرمادية وتعزيز الشفافية.
من هنا، كان استهدافه متوقعًا بل حتميًا. الضربة الأولى أتت من حزب الله، وهذا طبيعي، لأن مصالحه المالية والتنظيمية وُضعت مباشرة تحت المجهر. ثم التحقت بها المنظومة السياسية، بأحزابها وقواها، لأنها تعيش أصلًا على اقتصاد الكاش والفوضى وغياب المحاسبة. ودخلت على الخط مجموعة من المصارف وبعض المصرفيين الفاسدين، الذين رأوا في مسار سعيد تهديدًا مباشرًا لبنيتهم القائمة على تهريب الخسائر إلى الدولة والمودعين.
ومع الوقت، تبيّن أن الحكومة نفسها ليست في صفّه. فالرجل رفض مقاربة «شطب الودائع»، ورفض معالجة الفجوة المالية بطريقة اعتبرها ظالمة وغير قانونية، وأعلن موقفه بوضوح. وهكذا بدأ مشهد العزل المتدرّج: حزب الله ليس معه لأنه واجهه. المنظومة السياسية ليست معه لأنها متضررة. القوى المصرفية ليست معه لأنها مهددة بالمحاسبة. والحكومة ليست معه لأنه رفض أن يكون شاهد زور.
في هذا السياق، يصبح مفهومًا البحث عن نقطة ضعفه الوحيدة: علاقته برئيس الجمهورية. علاقة معلنة وواضحة، أكدها رئيس الجمهورية بنفسه عندما قال صراحة إنه «أكثر من راضٍ» عن أداء حاكم مصرف لبنان. هنا تغيّر مسار الهجوم. لم يعد الهدف كريم سعيد وحده، بل ضرب العلاقة بينه وبين رئيس الجمهورية، وتصويرها كأنها عبء سياسي يجب التخلص منه.
الهدف واضح: إذا تعذّر إسقاط الحاكم عبر الطعن بعمله، فلنُحاول عزله سياسيًا، تمهيدًا للاستفراد به ومنعه من الاستمرار.
لكن ما يتغافل عنه مهاجموه، أن ما يقوم به كريم سعيد لا يحتاج إلى تبرير سياسي. هو يقوم بما كان يفترض أن يقوم به أي حاكم مصرف مركزي في دولة تحترم نفسها: تطبيق القانون، حماية النظام المالي، ووقف النزف. الهجوم عليه ليس لأن أداءه خاطئ، بل لأنه كسر قاعدة الإفلات من المحاسبة، وفتح بابًا لم يعتد هذا البلد أن يُفتح.
في المحصلة، ما يتعرض له كريم سعيد ليس معركة شخصية، بل مواجهة مباشرة مع منظومتين تضررتا من عمله: منظومة المال الفاسد، ومنظومة السلاح. وفي لبنان، يكفي أن تقف في وجه هاتين المنظومتين معًا لتصبح هدفًا. أما الحماية السياسية الوحيدة المتاحة له، فهي ثقة رئيس الجمهورية، وهي بالضبط النقطة التي تحاول هذه الحملات ضربها لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه: مصرف مركزي بلا أسنان، وقانون بلا تطبيق.
الخلاصة أن الصراع ليس على شخص كريم سعيد، بل على فكرة أن يكون في لبنان مسؤول يجرؤ على أداء وظيفته كاملة. وهذه، في بلد اعتاد أنصاف الحلول والتسويات، خطيئة لا تُغتفر.
المصدر : Transparency News








