البنزين يرتفع… والعدالة تنخفض
17-02-2026 01:26 PM GMT+02:00
بعد سنوات من الضياع والهدر والسرقات المشرّعة بقوانين، اجتمعت الحكومة، فكّرت، تشاورت… وخرجت، كعادتها، بأعظم ابتكار اقتصادي في تاريخ الجمهورية اللبنانية:
فلنرفع البنزين ونزيد الـTVA.
عبقرية.
وكأن هذا الحل لم يخطر على بال أحد من قبل. خصوصاً أن هذه الوصفة "الناجحة" جرّبتها الحكومات السابقة كافة… وها نحن في نعيم اقتصادي لا يوصف.
البنزين: الضريبة التي تمشي على أربع عجلات
عندما ترفع سعر البنزين، أنت لا تزيد فقط كلفة تعبئة سيارة.
أنت تزيد كلفة كل شيء يتحرّك.. أي كل شيء في البلد. الموظف سيدفع أكثر ليصل إلى عمله. سائق التاكسي سيرفع التعرفة. المزارع سيرفع سعر الخضار. صاحب الدكان سيعيد تسعير الرفوف.
ثم تخرج علينا السلطة لتقول: "لا داعي للهلع".
طبعاً. لماذا يهلع الناس؟ هم أصلاً بالكاد يعيشون.
الـTVA… الضريبة الديمقراطية جداً
الـTVA لا تميّز بين مليونير وعامل مياوم. الاثنان يدفعان النسبة نفسها. يا لها من مساواة عظيمة!
في الدول الطبيعية، الضرائب تصاعدية. الأغنى يدفع أكثر.
أما عندنا، فالفكرة بسيطة.. من لا يستطيع الهرب، يدفع.
لكن لحظة… ألم تكن هناك خيارات أخرى؟
طبعًا لا. من المستحيل مثلاً، تحصيل مليارات من الأملاك البحرية المحتلة منذ عقود، أو وقف مزراب التهريب عبر الحدود، أو محاسبة كبار المتهربين ضريبياً، أو إقفال مزاريب الهدر في مؤسسات "مدللة"، أو ضبط الجمارك بجدية.
كل هذه أفكار خيالية، أليس كذلك؟
أسهل بكثير أن تفرض ضريبة على ربطة الخبز غير المباشرة عبر رفع النقل والطاقة.
الذريعة: "بدنا نمول رواتب القطاع العام والعسكريين"
طبعاً، ومن دون أي شك، يجب تحسين رواتبهم.
لكن السؤال ليس هل يستحقون — بل لماذا دائماً، هم، وسائر المواطنين هم المموّلون الوحيدون؟
أين الدولة حين كان الهدر يتمّ على المكشوف؟
أين كانت الجرأة حين كان يمكن فرض ضرائب عادلة على الثروات الكبرى؟
أين الإصلاح الحقيقي بدل الترقيع؟
كل مرة نسمع الخطاب نفسه.. "هذه إجراءات مؤلمة لكنها ضرورية".
الغريب أن الألم دائماً يصيب الطبقة نفسها.
المشكلة ليست أن الحكومة لم تتعلم من أسلافها…
المشكلة أنها تعلمت جيداً.
تعلمت أن المواطن سيتحمّل.
تعلمت أن الغضب مؤقت.
تعلمت أن لا أحد يُحاسَب.
ولهذا تعيد الوصفة نفسها، كل مرة، مع ابتسامة جديدة
المصدر : Transparency News








