بيار جبور


يعرف الصراع الذي اندلع عام 1990 بين "القوات اللبنانية" وبين وحدات الجيش التي تأتمر بميشال عون تاريخيًا باسم "حرب الإلغاء". التسمية لم تأتِ من فراغ، بل من هدفٍ مُعلن: إنهاء الوجود العسكري والسياسي للقوات داخل المناطق المسيحية وتوحيد السلاح تحت قيادة جيش عون.

هل هي "حرب إخوة" أم "حرب إلغاء"؟

من الناحية الاجتماعية:
نعم، خرج المقاتلون من البيئة نفسها، من العائلات نفسها أحيانًا ومن الأحياء نفسها. لذلك يُستخدم توصيف "حرب الإخوة" للتعبير عن المأساة الأخلاقية والانقسام داخل المجتمع الواحد.

لكن من الناحية السياسية–العسكرية:
لم تكن مواجهة عفوية بين أفراد، بل صراعًا منظّمًا بين مشروعين سياسيين متناقضين:
 أ- مشروع عسكري–سلطوي يقوده عون بهدف  احتكار السلطة والسلاح.
ب- مشروع حزبي–عسكري للقوات يرى في نفسه ممثلًا سياسيًا وعسكريًا لشريحة واسعة، رافضًا الخضوع لشروط الطرف الآخر، لا سيما وأن عون كان يُعتبر حينها متمردًا على السلطة الشرعية. 

تظهر الوثائق والخطابات في تلك المرحلة أن خطاب "الإلغاء" كان حاضرًا بوضوح. لم يكن يهدف الى ضبط السلاح فحسب، بل إنهاء خصم سياسي–عسكري بالكامل. 
وهذا ما يجعلها تنسجم مع تسميتها كـ "حرب إلغاء"، أكثر منها توصيفًا عاطفيًا كـ "حرب إخوة".

البعد العقائدي للمقاتلين:
إنّ انطلاق المقاتلين من قناعات محددة هو أمرٌ دقيق من منظور علم الاجتماع العسكري؛ فالجندي لا يضغط الزناد بدافع "كراهية ابن عمه"، بل انطلاقًا من إيمانه بالدفاع عن قضية، أو شرعية، أو وجود سياسي، أو رؤية معينة للدولة. ففي الحروب الأهلية، غالبًا ما تتفوّق الهوية السياسية على رابطة الدم، وهي حقيقة تاريخية تجلّت في حروب كثيرة حول العالم.

مفهوم "الإلغاء الجسدي"
حين يعتقد طرفٌ ما أن هدف الآخر هو إلغاؤه جسديًا وسياسيًا، يتحول الصراع من نزاع سياسي إلى معركة وجود. ومع طغيان منطق "إما أنا أو أنت"، تتراجع الاعتبارات العاطفية والاجتماعية كافة.
وهنا، يغدو توصيف "حرب إخوة" نوعًا من التبسيط المُريح؛ إذ يسعى لتخفيف وطأة المسؤولية عن القرار السياسي، ويُحوّل المأساة إلى "قدر عاطفي"، بدلًا من وضعها في إطارها الحقيقي كصراع إرادات ومشاريع.

لماذا الإصرار على التسمية مهم؟

التسمية ليست تفصيلًا.
إذا اعتبرناها مجرد "حرب إخوة"، فنحن نُفرغها من بعدها السياسي ونحوّلها إلى مأساة اجتماعية بلا مسؤوليات واضحة.
أما حين نصنّفها كـ"حرب إلغاء"،فنحن نُقرّ بأنها كانت محاولة حسم وجودي بين طرفين، وبذلك نفتح الباب لنقاش صريح حول طبيعة القرار، وحجم المسؤولية، والنتائج.

الخلاصة التحليلية
    أ -  اجتماعيًا: كانت مأساة داخل المجتمع الواحد.
    ب -    سياسيًا–عسكريًا: كانت حربًا بين مشروعين، سعى أحدهما إلى إنهاء الآخر ككيان منظم.
    ج - توصيف "حرب الإلغاء" أدقّ من الناحية الاستراتيجية.
    د - توصيف "حرب الإخوة" أدقّ من الناحية الشعورية–الأخلاقية.
لقد قامت القوات  اللبنانية بكل ثقلها لمنع الانفجار الكبير ولكن عون لم يرتد وكان ما كان.

والتاريخ عادةً لا يُختصر بتوصيف واحد، لكنه يحتاج إلى تسمية دقيقة كي لا يستحيل الألم أسطورة، ولا تذوب المسؤولية في عاطفة عامة.


المصدر : Transparency News