حين يتحوّل الوعي إلى قوّة تغيير: جعجع يخاطب طلاب لبنان
23-02-2026 09:18 AM GMT+02:00
في زمنٍ يتقدّم فيه الإحباط على الأمل، ويكاد اليأس يصبح لغةً يومية لدى الشباب اللبناني، يبرز خطاب رئيس حزب القوّات اللبنانية سمير جعجع أمام طلاب الجامعة اللبنانية في معراب بوصفه محاولة واعية لإعادة وصل السياسة بمعناها الأصلي على أنها فعل تغيير، لا مجرّد إدارة للأزمات. لم يكن اللقاء مناسبة عابرة، بل مساحة لتثبيت فكرة أن العمل السياسي يبدأ من الوعي، وأن التغيير يبدأ من صندوق الاقتراع.
وعن الانتخابات النيابية اعتبر جعجع أن إصدار مرسوم دعوة الهيئات الناخبة وفتح باب الترشيحات، كما قال، يجعل الاستحقاق واقعًا قائمًا، ولا يمكن تعطيله إلا في حال وقوع أحداث إقليمية كبرى وطويلة الأمد تطال لبنان مباشرة. بهذا المعنى، بدا خطابه محاولة لإعادة الثقة بانتظام الحياة الدستورية في بلد اعتاد تعليق مواعيده السياسية على حبال الأزمات.
وفي موازاة تثبيت حتمية الانتخابات، شدد على حق اللبنانيين المنتشرين في العالم في الاقتراع من الخارج وفق القانون النافذ، معتبرًا أن تنظيم العملية عبر السفارات والقنصليات مسألة قانونية وعملية في آن. هنا، لا يتعلّق الأمر بإجراء تقني فحسب، بل بإعادة دمج الاغتراب اللبناني في القرار الوطني، وإعطاء صوتٍ فعلي لشريحة لطالما شكّلت رئة اقتصادية واجتماعية للبنان.
لكن جوهر الخطاب لم يكن تقنيًا ولا إجرائيًا، بل ثقافيًا وسياسيًا. فقد توقف جعجع عند ما وصفه ب "النقص الكبير في الوعي الشعبي"، معتبرًا أن الناس تمضي سنوات في الشكوى من الطرقات والضرائب والرواتب، من دون إدراك أن مصيرها بأيديها. الرسالة كانت واضحة: إذا صوّت الناس بصورة صحيحة، يكونون قد قطعوا الجزء الأكبر من طريق التغيير.
ومن هنا، ميّز بين اختيار "الإنسان الجيّد" واختيار من يستطيع إحداث فرق سياسي فعلي. استعاد مفهوم "التصويت المفيد"، أي التصويت لمن يترك أثرًا حقيقيًا في مسار البلد، لا لمن يقدّم خدمات أو يتمتع بسمعة شخصية حسنة فقط. إنها دعوة إلى نقل الناخب من ثقافة الزبائنية إلى ثقافة القرار السياسي.
أمام الطلاب، لم يتحدث جعجع بلغة التحريض، بل بلغة المسؤولية. دعاهم إلى العمل في مناطقهم بالتوازي مع نشاطهم الطلابي، لأن كل نائب إضافي لا يزيد العدد فقط، بل يضاعف التأثير السياسي. وفي ذلك إدراك لطبيعة النظام اللبناني، حيث التوازنات الدقيقة تجعل لكل مقعد وزنه في رسم الاتجاه العام للدولة.
لم يكن الحضور الطلابي تفصيلاً في هذا المشهد. فعودة الانتخابات إلى الجامعة اللبنانية بعد سنوات من الغياب تعني إعادة الحياة الديمقراطية إلى قلب المجتمع. ومن هذا المنطلق، بدت الانتخابات الطلابية امتدادًا لمعركة الوعي نفسها؛ فالجامعة مرآة الدولة، والطالب نبض هذا المجتمع بحركته وعنفوانه وتطلعاته.
ما يميّز خطاب جعجع في هذا السياق هو قدرته على ضخ الأمل الواقعي لا العاطفي. فهو لا يعد بالخلاص السريع، بل يدعو إلى مسار تراكمي يبدأ بالوعي وينتهي بتغيير موازين القوى عبر المؤسسات. هكذا يتحوّل الأمل إلى مشروع عمل، وتصبح السياسة مساحة مشاركة لا مجرّد صراع.
في لقاءاته المتكررة مع الشباب والطلاب، يظهر جعجع كأنه يقيس نبض جيلٍ يبحث عن دورٍ ومعنى. ومن خلال هذا التفاعل، تبدو "القوات اللبنانية" وكأنها تسعى إلى إعادة تعريف العمل السياسي بوصفه التزامًا طويل النفس لا لحظة انتخابية عابرة.
في بلدٍ أنهكته الانقسامات والحروب والأزمات الاقتصادية، تبدو الرسالة الأساسية لهذا الخطاب بسيطة وعميقة في آن: الدولة لا تُستعاد بالشعارات، بل بالمشاركة الواعية. والانتخابات ليست موعدًا روتينيًا، بل لحظة تقرير مصير.
بهذا المعنى، يصبح الأمل الذي يبثّه جعجع في نفوس الشباب أكثر من خطاب تعبوي؛ إنه محاولة لإعادة السياسة إلى المجتمع، وإعادة المجتمع إلى السياسة. وحين يلتقي الوعي بالمشاركة، يمكن للبنان أن يبدأ، ولو ببطء، استعادة مساره.
هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )
المصدر : Transparency News








