بين الأذان وأجراس الكنائس: الصوم حكاية واحدة
23-02-2026 11:52 AM GMT+02:00
في كل عام، ومع اقتراب مواسم الصوم، يبدأ في لبنان نقاشٌ يكاد يكون طقسًا بحدّ ذاته… نقاش لا يخلو من المزاح، ولا ينفصل عن العاطفة، ولا يبتعد كثيرًا عن الاعتزاز الديني.
يتقابل صديقان في مقهى في بيروت، أو في ساحة كنيسة في جونية، أو أمام مسجد في صيدا… ويبدأ الحوار:
— “نحن نصوم وقتًا أطول بكثير!”
— “لكنكم تأكلون أطيب وأدسم المأكولات بعد الإفطار!”
— “نحن نقطع اللحوم والأسماك والأجبان والبيض… الصوم عندنا زهد حقيقي!”
وهكذا، يتحول الصوم إلى ما يشبه “دوري الأبطال” الروحي، وكل فريق يريد أن يثبت أن صومه هو الأقسى… والأصدق… والأكثر تضحية.
في رمضان، يمتد النهار طويلًا، خصوصًا في الصيف، ويُمسك الصائم عن الطعام والشراب من الفجر حتى غروب الشمس. ساعات من الصبر، من مقاومة العطش، من كبح العادات اليومية. وعند الغروب، يُرفع الأذان، فيجتمع الأهل حول مائدة الإفطار، فتفوح رائحة الشوربة والفتوش والسمبوسك، ويبدأ طقس دافئ عنوانه المشاركة.
أما في الصوم الكبير لدى كثير من المسيحيين، فالقصة مختلفة. الامتناع لا يكون لساعات محددة فحسب، بل يمتد لأسابيع طويلة. انقطاع عن اللحوم ومشتقات الحيوان، تقشف في الطعام، تبسيط في المائدة، ومحاولة لتهذيب النفس عبر الحرمان الاختياري. ليس الهدف الجوع، بل التخفف… ليس العطش، بل الانضباط.
الجميل في لبنان أن النقاش لا يبقى لاهوتيًا فقط، بل يتحول إلى حوار اجتماعي بطعم الحياة اليومية.
المسلم يقول: “جرب أن تمتنع عن الماء في يوم حار!”
والمسيحي يبتسم: “وجرب أن تعيش أربعين يومًا بلا لحمة ولا جبنة!”
لكن الحقيقة التي يغفل عنها المتنافسون أن الصوم، في جوهره، ليس مسابقة تحمّل. ليس اختبارًا لعضلات المعدة ولا بطولة في عدد الساعات. هو مساحة داخلية، حوار صامت بين الإنسان وربّه، لحظة مراجعة للنفس، تمرين على الصبر، وعلى الشعور بالآخر.
الصوم في الإسلام يعلّم ضبط الرغبة اليومية الأساسية — الماء والطعام — ليشعر الإنسان بضعفه، وليتذكر الفقير، وليعتاد الشكر.
والصوم في المسيحية يدرّب على الزهد والابتعاد عن الملذات، ليصفو القلب، ويصبح الامتناع طريقًا إلى الرحمة والمغفرة.
في نهاية المطاف، لا يوجد “كأس” يُرفع، ولا منصة تتويج.
لا أحد يفوز لأن صومه أطول، ولا أحد يخسر لأن مائدته أبسط.
الفوز الحقيقي هو في ما يتركه الصوم في الداخل: هل صار الإنسان أهدأ؟ أرحم؟ أقل اندفاعًا؟ أكثر محبة؟
لبنان، هذا البلد الصغير، اعتاد أن يجمع الأذان مع أجراس الكنائس في مشهد واحد. وفي مواسم الصوم، بدل أن يكون النقاش مباراة، يمكن أن يكون جسرًا.
المسلم يزور صديقه المسيحي في عزّ الصوم الكبير، والمسيحي يشارك جاره المسلم تمرًا عند الإفطار.
وهنا يصبح الصوم حكاية مشتركة… لا منافسة.
قد يبدو السؤال: “من صومه أقسى؟” سؤالًا مثيرًا، لكنه في العمق سؤال سطحي.
الأدق أن نسأل: “من خرج من صومه إنسانًا أفضل؟”
وحينها، يسكت الجدال…
ويبدأ المعنى الحقيقي.
المصدر : Transparency News








