الدكتور قاسم السعد - باحث في حقوق الطفل والإنسان


لأن البقاء وحده لا يصنع حياة في المخيم، لم تعد الحياة تُقاس بما نملك، بل بما لم نفقده بعد.
العبارة الأكثر صدقاً وتداولاً بين الناس بسيطة وموجعة: “الحمد لله ما زلنا أحياء.”. 

هذه ليست عبارة رضا، بل اعتراف بانخفاض سقف الطموح إلى حدّه الأدنى: البقاء. أن تمرّ الأيام بلا كارثة، أن يجد الأطفال ما يسدّ رمقهم، أن يبقى باب العيادة مفتوحاً… هذا هو الإنجاز اليومي.

الأم لا تخطط لقائمة طعام صحية، بل لوجبة تكفي. أرز أو بطاطا أو عدس يتكررون على الطاولة. اللحم ضيف نادر، والفواكه ترف موسمي، والحليب يُحسب بالكوب. أطفال في عمر النمو يعيشون على نظام غذائي بالكاد يحفظ الطاقة، لكنه لا يضمن النمو السليم. نقص الحديد ليس مفهوماً طبياً هنا، بل تعبٌ في الصف، وشرود ذهني، ومناعة ضعيفة. نقص فيتامين “د” ليس رقماً في تحليل، بل عظاماً لا تأخذ حقها من الشمس ولا من الغذاء.

في هذا الواقع، تصبح العيادة أكثر من مبنى.
وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ليست مجرد وكالة، بل شريان حياة. هي المكان الذي تلجأ إليه أمّ حين ترتفع حرارة طفلها، أو مسنّ حين يشتد عليه الألم، أو مريض مزمن يبحث عن دوائه الشهري. لكن حين تضيق الموارد، وتتقلص ساعات العمل، ويُعاد جدولة الخدمات، ينتقل أثر ذلك مباشرة إلى الجسد. المرض لا ينتظر الموازنات، ولا يراعي تأخر التمويل. والقلق الذي يسكن المرضى لا يقرأ البيانات الرسمية.

المدرسة بدورها ليست مجرد صفوف. إنها المساحة الوحيدة التي يشعر فيها الطفل أن مستقبله ما زال ممكناً. حين يزداد الاكتظاظ، وتتراجع الإمكانات، ويثقل العبء على المعلم، تصل رسالة صامتة إلى التلميذ: إن أفقك قابل للتقليص أيضاً. ومع ذلك، يذهب الأطفال كل صباح، يحملون حقائب أكبر من أعمارهم، ويجلسون في مقاعدهم بأمل بسيط أن يفتح التعليم نافذة أوسع من جدران المخيم.

في الخلفية، تتحرك منظمة التحرير الفلسطينية في بيئة سياسية ومالية معقدة، تحاول الحفاظ على دورها التمثيلي في ظل ضغوط متزايدة. لكن اللاجئ في المخيم لا يعيش هذه المعادلات كتحليل سياسي، بل كتجربة يومية ملموسة: هل توجد شبكة أمان كافية؟ هل يبقى الحد الأدنى من الاستقرار قائماً؟ هل هناك من يحمي الحق حين تضيق الخيارات؟

المخيم ليس مجرد مكان مكتظ بالبيوت والأسلاك المتشابكة فوق الرؤوس. إنه مساحة انتظار طويلة. انتظار لدواء، لفرصة عمل، لتحسن اقتصادي عام، لاستقرار مؤسساتي لا يتبدد مع كل أزمة تمويل. الجغرافيا هنا ليست مجرد عنوان، بل قد تتحول إلى عقوبة صامتة؛ فالقاطن في تجمع بعيد قد يقطع مسافة أطول ليصل إلى خدمة يفترض أنها حق بديهي.

ومع ذلك، لا يطلب الناس المستحيل. لا يتحدثون عن رفاهية. يتحدثون عن معيار بسيط للحياة الكريمة: عيادة تعمل بكامل طاقتها، ومدرسة متاحة لكل طفل دون استثناء، وخدمة لا تتقلص لأن العالم قرر إعادة ترتيب أولوياته. يريدون أن لا يكون جسد الطفل ضحية عجز مالي، ولا يكون مستقبله رهينة قرار خارجي.

البقاء ليس حياة كاملة. أن تقول عائلة “الحمد لله ما زلنا أحياء” يعني أن الكرامة تقلصت إلى حد النجاة. لكن الكرامة الإنسانية أوسع من ذلك بكثير. هي شعور بالأمان حين يمرض أحد أفراد الأسرة. هي طمأنينة بأن التعليم لن ينقطع فجأة. هي قدرة على التخطيط لأسبوع قادم دون خوف من دين إضافي.

في المخيم، لا يُطلب الكثير. يُطلب فقط أن يبقى الحد الأدنى من الحقوق خارج دائرة التفاوض. عيادة مفتوحة، مدرسة متاحة، ومؤسسات مستقرة قادرة على حماية الناس من الانزلاق نحو حياة تُختزل بالبقاء وحده. لأن الحياة، في جوهرها، أكثر من مجرد أن نظل أحياء.

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )


المصدر : Transparency News