بين لحظة الضغط واحتمال النهوض لا تعلن النهايات في صراع الكبار
27-02-2026 09:40 AM GMT+02:00
في كل مرحلة تصعيد إقليمي، يتكرر المشهد نفسه: إعلان نهاية طرف قبل أن تنتهي المعركة. حصل ذلك مع حزب الله أكثر من مرة، ويتكرر اليوم مع إيران. الضغوط كبيرة، العقوبات قاسية، البيئة الإقليمية متقلبة، فيخرج من يقول إن المرحلة حُسمت وإن السقوط مسألة وقت. لكن في السياسة، الضغط لا يساوي الانهيار، والتراجع لا يعني الخروج من المعادلة.
المحطة الأولى: قيل إنهم انتهوا… ثم عادوا إلى الطاولة
بعد كل مواجهة كبيرة في المنطقة، سادت رواية أن هذا الطرف أو ذاك أصبح من الماضي. بعد 2006 قيل إن حزب الله انتهى عسكريًا. بعد العقوبات القصوى قيل إن إيران ستختنق اقتصاديًا وتُجبر على التراجع الكامل. لكن ما حدث فعليًا لم يكن سقوطًا، بل انتقالًا إلى مرحلة مختلفة من إدارة الصراع.
لم تختفِ طهران من المشهد، ولم يُمحَ نفوذها الإقليمي. تراجعت في بعض المساحات، تقدمت في أخرى، وأعادت ترتيب أوراقها. الفارق بين النهاية وإعادة التموضع هو القدرة على البقاء حتى لحظة التسوية، وهذه القدرة لم تسقط بعد.
المحطة الثانية: الدولة المنتهية لا تُفاوض
المعيار الأبسط لفهم المشهد هو سؤال واحد: لماذا لا تزال واشنطن تفاوض؟
لو كانت إيران في موقع الانهيار الكامل، لكانت الشروط أُمليت عليها بلا نقاش. الدول لا تمنح خصمًا ساقطًا شرعية الجلوس إلى الطاولة. استمرار التفاوض يعني أن ميزان الردع المتبادل ما زال قائمًا، وأن كلفة المواجهة الشاملة غير مضمونة.
إيران ليست في لحظة انتصار، لكنها أيضًا ليست في لحظة استسلام. لديها برنامج نووي متقدم، قدرة على التأثير في أكثر من ساحة، وإمكانية رفع كلفة أي تصعيد عسكري. هذا ما يمنحها وزنًا تفاوضيًا، ولو تحت الضغط.
المحطة الثالثة: النووي كورقة توازن
حين تصل دولة إلى مراحل متقدمة في تخصيب اليورانيوم، فإنها تدخل منطقة مختلفة في الحسابات الدولية. لم يعد الملف مجرد بند تفاوضي عادي، بل عنصر يغيّر معادلات الردع. لذلك لا تُحسم المواجهات بالشعارات، بل بحسابات دقيقة للكلفة والنتيجة.
من يختزل المشهد بالأزمة الاقتصادية الداخلية يتجاهل أن عناصر القوة متعددة. الاقتصاد عامل ضغط، لكنه ليس وحده من يحدد مصير الدول في لحظات الصراع.
المحطة الرابعة: من يراهن على النهاية قد يفاجأ بالنسخة المعدّلة السياسة لا تعمل بمنطق الأبيض والأسود. لا أحد يعود كما كان تمامًا، ولا أحد يختفي بهذه السهولة. من يراهن على انتهاء المحور قد يجد نفسه أمام نسخة معدّلة منه لا أمام غيابه. التسويات الكبرى في المنطقة غالبًا ما تعيد توزيع النفوذ بدل أن تلغيه.
إذا اتجهنا نحو تفاهم محدود يضبط السقف النووي مقابل تخفيف تدريجي للضغط، فإن النتيجة لن تكون سقوط إيران، بل إعادة تموضعها ضمن معادلة جديدة. ستكون أضعف مما كانت قبل سنوات، نعم، لكنها ستبقى داخل اللعبة.
المحطة الخامسة: الارتداد اللبناني
لبنان ليس جزيرة معزولة عن هذه التوازنات. حزب الله اليوم يمرّ في مرحلة ضغط واضحة، داخليًا وخارجيًا. لكنه لا يزال لاعبًا رئيسيًا في البنية السياسية والأمنية. وأي تخفيف في الضغط عن طهران سينعكس على موقعه، ولو بشكل تدريجي.
من يعتقد أن التسوية الإقليمية ستقود تلقائيًا إلى إخراجه من المعادلة اللبنانية قد يكتشف أن التوازنات ستُعاد صياغتها بدل أن تُقلب رأسًا على عقب. الضعف الحالي لا يعني شطب الدور، بل إعادة تحديده ضمن سقف جديد.
الخلاصة: لسنا أمام سقوط بل أمام مرحلة انتقال
الأقرب إلى الواقع في الأشهر المقبلة ليس مشهد حرب شاملة ولا انهيار مدوٍّ، بل تفاهم محدود يضبط الاشتباك ويمنح كل طرف ما يكفي لتجنب الانفجار. هذا النوع من التسويات لا يصنع منتصرًا مطلقًا، لكنه يمنع السقوط الكامل.
في صراع الكبار، النهايات لا تُعلن تحت الضغط، بل عند تفكك داخلي شامل. هذا لم يحصل بعد. لذلك، قبل أن نكتب شهادة وفاة سياسية لطهران أو لحلفائها، ربما يجدر التريث. لأن المنطقة تعلّمنا أن الضربة قد تكون لحظة إعادة تموضع، لا لحظة إسقاط.
ومن يقرأ المشهد بعين الرغبة لا بعين التوازن، قد يكتشف أن الحكم كان أسرع من الوقائع.
المصدر : Transparency News








