التيار بين شعار الإصلاح وواقع الترشيحات... هل يتحمّل باسيل كلفة الدفاع عن نقولا صحناوي؟
27-02-2026 10:43 AM GMT+02:00
فالمسألة لم تعد محصورة بترشيح نائب سابق أو حالي، بل تحوّلت إلى اختبار فاضح لمعنى المحاسبة، وهيبة القضاء، وصدقية الخطاب الإصلاحي الذي يرفعه التيار الوطني الحر منذ سنوات.
داخل أروقة التيار العوني نفسه، بات موضوع تجنّب ترشيح نقولا صحناوي نقاشًا واسعًا ومحرجًا. ليس لأن الرجل “مختلف عليه سياسيًا”، بل لأن سجله مثقل بملفات واتهامات موثّقة، تعود إلى سنوات طويلة، تبدأ بطلب تأليف لجنة تحقيق برلمانية في ملف وزارة الاتصالات منذ عام 2011، ولا تنتهي بالحكم الصادر مؤخرًا عن ديوان المحاسبة، إضافة إلى خلاصات لجنة التحقيق النيابية الحالية في مجلس النواب. هذه ليست “شبهات إعلامية”، ولا “حملات كيدية”، بل مسار قضائي–رقابي كامل، يفترض في أي دولة تحترم نفسها أن يكون كافيًا لإقصاء أي مسؤول عن الحياة العامة، لا إعادة تدويره.
ورغم ذلك، يحاول جبران باسيل، وفق معطيات سياسية متقاطعة، التخفيف من الضوء والجدل حول نقولا صحناوي، إدراكًا منه أن الإصرار على ترشيحه لن يضرب صحناوي وحده، بل سيصيب مجمل مرشحي التيار في بيروت الأولى وفي غيرها. فكيف يمكن للتيار أن يخوض معركة انتخابية بعنوان “الإصلاح” و”مكافحة الفساد”، فيما يضع في واجهة لوائحه اسمًا حُسمت مسؤوليته رقابيًا وقضائيًا في واحد من أكثر الملفات حساسية: ملف الاتصالات؟
الأمر لا يتوقف عند حدود التيار. فبحسب معطيات متداولة، نصح أحد مستشاري النائب نديم الجميل بالإيعاز لمن يمثل حزب الكتائب في اللجنة النيابية المعنية بملف وزراء الاتصالات، بإعفاء نقولا صحناوي سياسيًا وانتخابيًا، لا حبًا بالإصلاح، بل حسابًا للأرقام. فالحسابات الانتخابية تشير بوضوح إلى أن عدم ترشّح صحناوي يفتح الباب واسعًا أمام فوز نائب رئيس التيار الوطني الحر ناجي حايك بالمقعد الماروني في بيروت الأولى، مستندًا إلى أصوات التيار التفضيلية، وأصوات أنصار مسعود الأشقر، والمجموعة القريبة من الوزير السابق إيلي حبيقة. أي أن بقاء صحناوي في السباق لا يضر “العدالة” فقط، بل يهدد حتى حسابات حلفائه.
وهنا تبرز المفارقة الصارخة: هل يتحوّل نقولا صحناوي إلى “فرفور زنبو مغفور”؟ هل يُغفر له كل شيء، فقط لأنه جزء من منظومة سياسية قادرة على الالتفاف على المحاسبة؟ بعد سنوات من الاتهامات حول الهدر والفساد في وزارة الاتصالات، وبعد أحكام وتقريرات رسمية، هل يُعاد تقديمه للناخبين كخيار طبيعي، وكأن شيئًا لم يكن؟
السؤال الأعمق ليس عن شخص صحناوي، بل عن النظام الذي يسمح بذلك. ففي أي نظام ديموقراطي محترم، مجرد وجود ملاحقات وتحقيقات وأحكام رقابية كفيل بإبعاد المسؤول عن الشأن العام لفترة طويلة، إلى حين جلاء الحقيقة كاملة. أما في لبنان، فيبدو أن اللا محاسبة تحوّلت إلى قاعدة، والوقاحة السياسية إلى سلوك طبيعي.
إذا لم يتخذ نقولا صحناوي قرار العزوف، وإذا لم يقرر حزبه إبعاده عن الترشح وممارسة الشأن العام، فلن يكون رمزًا لـ”تصحيح الأداء”، كما قد يحاول البعض الترويج، بل دليلًا إضافيًا على عيوب النظام اللبناني، وعلى استخفافه الفاضح بالقضاء، وبالعدالة، وبعقول الناس. وعندها، لن تكون المشكلة في مرشح واحد، بل في منظومة كاملة ترفض أن تتعلّم، وتصرّ على تكرار الانهيار… انتخابًا بعد انتخاب.
المصدر : Transparency News








