النظام الإيراني بعد خامنئي: بين الاستمرارية.. التحول أو التفتت والتفتيت
01-03-2026 01:46 PM GMT+02:00
الخلافة في إيران من أعقد القضايا السياسية في الشرق الأوسط، نظراً لطبيعة النظام القائم على مبدأ ولاية الفقيه وتركيز السلطات الدستورية والأمنية بيد المرشد الأعلى. ومع غياب خامنئي تدخل الجمهورية الإسلامية مرحلة مفصلية قد تعيد رسم توازنات السلطة داخلياً وتؤثر في موقع إيران الإقليمي والدولي. فالدستور الإيراني ينص على أن اختيار المرشد يتم عبر مجلس خبراء القيادة، وهو هيئة دينية منتخبة تضم رجال دين مخوّلين بتعيين القائد الأعلى ومراقبة أدائه. وفي حال شغور المنصب، تُناط صلاحياته مؤقتاً بهيئة قيادية انتقالية تضم رئيس الجمهورية (مسعود بزشكيان)، رئيس السلطة القضائية (غلام حسين إيجئي) ، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور (وتم اختيار رضا علي أعرافي للمشاركة بالهيئة).
نظريا يوفر هذا الإطار آلية مؤسساتية تمنع الفراغ الدستوري. إلا أن التجارب الإيرانية السابقة تشير الى أن موازين القوى الفعلية لا تُحسم داخل المؤسسات الشكلية فقط، بل تتأثر بقوة الأجهزة الأمنية والعسكرية، وعلى رأسها الحرس الثورية.
خمسة سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة
1- انتقال مضبوط للسلطة الحالية، مع اختيار شخصية دينية محافظة تحظى بدعم النواة الصلبة للنظام وتكون قريبة من المؤسسة الأمنية أو لها علاقات وثيقة بمراكز القرار التقليدية. وبتعبير آخر تبقى ركائز النظام على حالها.
2- صعود الحرس الثوري ونموذج الدولة الأمنية. إذ يتحول مركز الثقل السياسي تدريجياً من المؤسسة الدينية إلى المؤسسة العسكرية، بحيث يصبح المرشد الجديد أقرب إلى واجهة رمزية، فيما تمارس النخبة الأمنية القرار الفعلي، من دون ان يعني ذلك إلغاء الطابع الديني للنظام، بل إعادة هندسته ليصبح أكثر براغماتية وأقل اعتماداً على شخصية القائد الأوحد.
3- التحول التدريجي وإعادة توزيع الصلاحيات باعتبار أن رحيل خامنئي يشكل فرصة لإعادة توزيع الصلاحيات داخل النظام ومن بينها تقليص بعض صلاحيات المرشد لصالح مؤسسات منتخبة أي تعزيز دور رئاسة الجمهورية والحكومة في إدارة الملفات. هذا السيناريو يتطلب توافقاً بين أجنحة النظام المختلفة ويرتكز الى قناعة داخلية بأن الحفاظ على النظام يمر عبر إصلاحات مدروسة لا عبر التشدد.
4- في حال فشل النخب في التوافق على شخصية جامعة، قد تدخل البلاد في مرحلة تنافس حاد بين التيارات السياسية والأمنية: من داخل مجلس خبراء القيادة، مرورا بانقسام بين المؤسسة الدينية والأمنية، وصولا الى تحركات شعبية تستغل حالة الغموض.
5- مرحلة ما بعد خامنئي قد تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة النظام على استعادة جزء من شرعيته مع الشارع. فالعامل الشعبي يمكن أن يؤثر في هذا المسار الانتقالي من خلال مستوى المشاركة في الاستحقاقات السياسية ومن خلال حجم الاحتجاجات في حال حدوث انقسامات داخلية. لكن هذا السيناريو يعتمد على قدرة الدولة في إدارة الانتقال بمرونة وفي المزج بين ضبط الامن والقيام باصلاحات محدودة.
العامل المؤثر في كل السيناريوهات المحتملة السابقة يبقى عامل الضغوط الدولية والاقليمية، بعد كل هذا القصف العشوائي الإيراني المتمادي لدول الجوار وخصوصا الخليجية. فالانتقال السلس قد يدفع إلى استمرار النهج الحالي في السياسة الخارجية، بينما قد يؤدي صعود المؤسسة الأمنية إلى تشدد أكبر في بعض الساحات. وهذان السيناريوهان لن يكونا مقبولين من الخارج وتحديدا من الدول المحيطة. أما المسار الإصلاحي الداخلي فمن المحتمل أن ينعكس انفتاحا نسبيا في العلاقات الدولية، خصوصا في ملفات التخصيب والصواريخ البالستية والأذرع .
مستقبل النظام الإيراني لن يُحسم بعامل واحد، بل بتفاعل معقد بين توازنات المؤسسة الديني، نفوذ الحرس الثوري، المزاج الشعبي والضغوط الإقليمية والدولية. وقد لا تشهد إيران قطيعة مع ماضيها، لكن مرحلة ما بعد خامنئي ستحدد ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية قادرة على التكيف وإعادة إنتاج نفسها، أم أنها ستدخل مسار تحول تدريجي يعيد تعريف طبيعة النظام وحدود سلطته.
يبقى أن هدير الطائرات والصواريخ ونتائج هذه المواجهة المفتوحة الدائرة سوف تحدد أي من السيناريوهات السابقة المحتملة ستطغى أو أنها ستطول إلى حد الذهاب بإيران الى التفتيت أو التفتت تلقائيا.
هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )
المصدر : Transparency News








