سماح الحاج - إعلامية


أن يحاول المرء النظر إلى ما يجري في لبنان من موقع المراقب فقط، بعيداً عن الاصطفافات المعتادة، يفرض سؤالاً واحداً يتقدم على كل الأسئلة الأخرى: لماذا يدفع لبنان دائماً الفاتورة؟
على مدى أكثر من أربعة عقود، تشكل مشروع كامل في المنطقة. إيران موّلت وسلّحت وبنت نفوذاً عسكرياً واضحاً في أكثر من ساحة، وكان لبنان إحدى أهم هذه الساحات. داخل هذا المسار نشأت قوة عسكرية رفعت شعار العقيدة والمقاومة، وقدمت نفسها بوصفها مشروع مواجهة مع إسرائيل، لا مجرد تنظيم مسلح.
هذا المسار أنتج لحظات اعتبرها كثيرون إنجازات كبرى. انسحاب إسرائيل من الجنوب عام 2000 كان لحظة مفصلية، وكذلك حرب 2006 التي قُدمت بوصفها محطة ردع تاريخية. لكن بعد كل هذه السنوات، لم يعد السؤال محصوراً بتلك اللحظات، بل بكلفتها الممتدة حتى اليوم.
الجنوب يعيش مرة أخرى واقع التهجير والدمار. قرى كاملة خلت من سكانها، وعائلات خرجت من بيوتها من دون أن تعرف متى تعود. المفارقة قاسية: الأرض التي قيل إنها تحررت قبل سنوات، تبدو اليوم كأنها تعيش فراغاً جديداً، وربما أخطر.
وهنا تبدأ الفاتورة بالظهور بوضوح.
أربعون عاماً من التمويل والتسليح وبناء القوة لا تنتهي دائماً بالنتائج التي وُعد بها الناس. أحياناً تصل اللحظة التي يُفتح فيها الحساب، ويُطلب من المجتمع كله دفعه. في الحالة اللبنانية، يبدو أن هذا الحساب بدأ يصل اليوم.
لكن المسألة لا تتعلق فقط بالسياسة أو بالتحالفات الإقليمية. هناك أيضاً تناقض يتكشف بين الخطاب الذي رافق هذا المشروع طوال سنوات وبين واقع الحروب الحديثة.
الخطاب يقول إن المعركة مع إسرائيل معركة عقيدة وجهاد وصمود.
أما الواقع فيقول إن إسرائيل تقاتل بمنطق مختلف تماماً: منطق التكنولوجيا.
حرب تُدار بالأقمار الصناعية، بالاستخبارات الدقيقة، وبقدرة على تعقب الأهداف بطرق لم تكن ممكنة قبل سنوات قليلة. في هذا النوع من الحروب، لا تُحسم المعارك بالشعارات، بل بالعلم والتفوق التقني.
وهنا يظهر التناقض الذي يفرض نفسه: طرف يقاتل بلغة العقيدة، وطرف يقاتل بلغة التكنولوجيا.
لكن التناقض الأكبر لا يقف عند حدود الأدوات، بل يصل إلى طريقة خوض المعركة نفسها.
إذا كان الإنسان يؤمن فعلاً أنه مجاهد في سبيل الله، وأن الشهادة غاية يسعى إليها، فإن منطق العقيدة نفسه يقول إن هذه التضحية يتحملها صاحبها. المجاهد يذهب إلى المواجهة بإرادته، ويقبل المخاطرة بنفسه.
لكن المشكلة تبدأ حين لا تبقى المخاطرة محصورة بالمقاتل وحده.
حين تُخاض المعركة وسط الناس، بين البيوت والأحياء السكنية، يصبح المدنيون جزءاً من الحرب من دون أن يختاروا ذلك. أطفال ونساء وشيوخ يجدون أنفسهم داخل دائرة الخطر لأن المعركة تدور حولهم.
وهنا يبرز السؤال الأخلاقي الذي يتجنبه كثيرون: إذا كانت العقيدة تقوم على التضحية، فهل يجوز أن يدفع الأبرياء ثمن هذه التضحية؟
العقيدة لا تقول إن الإنسان يذهب إلى الموت ومعه مدنيون لم يختاروا المعركة.
العقيدة لا تقول إن الجهاد يعني أن تتحول حياة الناس إلى ساحة حرب.
العقيدة تقول إن التضحية قرار شخصي، لا أن يتحول المجتمع كله إلى جزء من هذه المعادلة.
ولهذا يبدو المشهد أحياناً وكأنه تناقض بين الخطاب والممارسة.
فمن جهة تُرفع شعارات الجهاد والشهادة، ومن جهة أخرى تُخاض المعركة بطريقة تجعل مجتمعاً كاملاً يعيش في قلب الخطر.
لبنان بلد صغير جداً ليحتمل هذا النوع من الحروب.
كل شيء فيه قريب من كل شيء: الجبهة من القرى، والقرى من المدن، وأي مواجهة تتحول سريعاً إلى أزمة وطنية شاملة.
حتى الأماكن التي يفترض أن تكون بعيدة عن الجبهات لم تسلم من تداعيات هذه الحرب. 
السجون مثلاً أصبحت جزءاً من الصورة. الموقوفون الذين كانوا في سجون الجنوب نُقلوا إلى سجون بيروت المكتظة أصلاً. كثير منهم لم تصدر بحقهم أحكام بعد، وبعضهم ينتظر محاكمته منذ سنوات.
حتى الزنازين، بطريقة ما، دخلت دائرة الفاتورة.
قد يبدو هذا تفصيلاً صغيراً، لكنه يكشف حقيقة أكبر: في لبنان لا يبقى شيء بعيداً عن تداعيات الصراعات.
بلد مثقل بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يعيش أصلاً على حافة الانهيار. ومع كل جولة تصعيد جديدة، تتوسع دائرة الخسارة أكثر.
وفي النهاية، حين تهدأ الشعارات ويبتعد الضجيج السياسي، يبقى هناك واقع واحد يصعب تجاهله: كلما اشتدت الصراعات في المنطقة، كان لبنان أول من يدفع ثمنها… وربما أكثر من يدفع.

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )


المصدر : Transparency News