نحو دولة لبنان الكبير
10-03-2026 07:40 PM GMT+02:00
مع كل حرب يعيشها لبنان، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل يمكن لهذا البلد أن يصبح دولة فعلية؟ اليوم، ومع اقتراب نهاية الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، يبدو أن اللبنانيين أمام فرصة نادرة لإعادة التفكير في شكل الدولة التي يريدونها. فهذه الحرب، بكل مآسيها وخسائرها، كشفت مرة جديدة حجم العجز الذي تعانيه مؤسسات الدولة أمام نفوذ الأحزاب، وخصوصاً أمام سلاح «حزب الله» الذي بقي طوال سنوات خارج إطار الدولة وقرارها.
إن بناء دولة حقيقية في لبنان لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها، لكنه أيضاً لم يعد يحتمل التأجيل. المطلوب مسار إصلاحي سريع وواضح يبدأ بإعادة بناء المؤسسات، وفي مقدمها المؤسسة العسكرية والأمنية. فالتعيينات العسكرية يجب أن تُجرى وفق معايير الكفاءة والاحتراف، لا وفق المحاصصات الحزبية والطائفية التي أضعفت الدولة لعقود. من قيادة الجيش إلى أصغر عنصر في المؤسسة، يجب أن يكون المعيار الوحيد هو الكفاءة والقدرة على حماية الدولة والقانون.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة أيضاً إلى إعادة النظر في أداء المحكمة العسكرية، التي اهتزت مصداقيتها في أكثر من ملف. فالأحكام التي تصدر بحق مجموعات مسلحة أو عناصر مرتبطة بأحزاب نافذة غالباً ما تُثير تساؤلات حول العدالة والمساواة أمام القانون. وإذا كان القضاء العسكري جزءاً من منظومة العدالة، فمن الضروري إصلاحه بحيث يستعيد ثقة اللبنانيين ويثبت أن القانون يطبق على الجميع بلا استثناء.
أما على مستوى الإدارة العامة، فالمشكلة لا تقل خطورة. فالدولة اللبنانية لم تعد تُدار وفق منطق المؤسسات، بل وفق نظام محاصصة غير معلن يجعل لكل حزب «مديره» داخل الوزارات والإدارات. نظرياً، لكل وزارة وزير ومدير عام، لكن عملياً هناك شبكة من الولاءات الحزبية والطائفية تتحكم بالقرارات والوظائف والخدمات. وهكذا تحولت الدولة إلى مساحة نفوذ تتقاسمها القوى السياسية، فيما يُترك المواطن رهينة لهذا النظام، من الطبابة التي باتت من الأغلى في العالم، إلى التعليم والخدمات الأساسية.
وفي موازاة ذلك، يتفاقم الانهيار الاقتصادي نتيجة عوامل عديدة، أبرزها الاقتصاد الموازي والأنشطة غير الشرعية. فعمليات التهريب عبر الحدود، أو عبر المرفأ والمطار، وغياب الرقابة على بعض الأنشطة المرتبطة بشعارات «المقاومة»، ساهمت في تقويض الاقتصاد الرسمي وإضعاف قدرة الدولة على تحصيل إيراداتها. وفي النهاية، يدفع اللبنانيون جميعاً ثمن هذه السياسات، سواء من خلال الانهيار المالي أو تراجع الخدمات أو تدهور مستوى المعيشة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: لماذا كل هذا الصمت؟ ولماذا يستمر الخوف من طرح هذه القضايا بصراحة؟ وإذا كان لبنان دولة لجميع أبنائه، فلماذا يُسمح بأن يبقى قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها؟
إن ما يريده اللبنانيون ليس مستحيلاً. هم يريدون دولة طبيعية، لا مزرعة تتقاسمها الأحزاب، ولا ساحة لحروب الآخرين. يريدون بلداً يعيش فيه المواطن بكرامة، بعيداً عن منطق الاصطفافات الإقليمية والحروب بالوكالة. فلبنان لم يعد يحتمل أن يكون منصة لصراعات لا علاقة له بها، ولا أن يدفع شعبه كلفة قرارات تُتخذ خارج إرادته.
ومع اقتراب نهاية الحرب، يأمل اللبنانيون أن يعود المهجّرون إلى قراهم، وأن تُرمم البيوت وتُعاد الحياة إلى مناطق أنهكتها المواجهات. لكن التجربة علمتهم أيضاً أن الحروب في المنطقة غالباً ما تنتهي بتفاهمات بين القوى الكبرى، فيما يبقى الشعب اللبناني وحده من دفع الثمن.
لهذا، فإن اللحظة المقبلة يجب أن تكون لحظة مراجعة حقيقية. فإما أن يتجه لبنان نحو بناء دولة فعلية تُعيد الاعتبار للقانون والمؤسسات، أو يبقى أسير الحلقة نفسها من الأزمات والحروب. وبين هذين الخيارين، يبقى الأمل بأن يتمكن اللبنانيون أخيراً من استعادة دولتهم وبناء لبنان الذي حلم به الآباء المؤسسون: دولة حرة، سيدة، وقادرة على حماية شعبها ومستقبلها.
هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )
المصدر : Transparency News








