«الأخبار» تروّج لانقسام داخل الجيش: من سمح بتحويل المؤسسة العسكرية إلى منصة تهديد للدولة؟
12-03-2026 02:56 PM GMT+02:00
نشرت جريدة «الأخبار» ما قالت إنه بيان صادر عن «ضباط وطنيين» في الجيش اللبناني يحذر من أي قرار يضع الجيش في مواجهة مع حزب الله، ويعتبر أن خطوة كهذه قد تهدد وحدة المؤسسة العسكرية وتفتح الباب أمام انقسام داخلها. بل إن النص يلمّح بوضوح إلى أن بعض الضباط قد يلوّحون بالاستقالة أو يرفضون السير في قرارات قد تتخذها الدولة في ما يتعلق بسلاح الحزب.
بغضّ النظر عن صحة هذا البيان أو دقته، فإن مجرد نشره بهذا الشكل يطرح أسئلة خطيرة. فإما أن ما ورد صحيح، وعندها نكون أمام مشكلة كبرى داخل المؤسسة العسكرية، أو أن الأمر مجرد دعاية سياسية خطيرة تهدف إلى تخويف اللبنانيين من فكرة أن الجيش قد ينقسم إذا قررت الدولة فرض سيادتها.
في الحالتين، ما نشرته «الأخبار» ليس خبراً عادياً، بل لعب بالنار. لأن الرسالة التي يحاول المقال إيصالها واضحة: إذا قررت الدولة اللبنانية يوماً التعامل مع سلاح حزب الله، فإن الجيش نفسه قد ينقسم أو يرفض تنفيذ القرار.
هذا الكلام بحد ذاته فضيحة سياسية وأمنية. فمتى أصبح ضباط في الجيش يقررون أي قوانين تنفذ وأي قرارات حكومية تُطبّق؟ ومتى صار من المقبول أن يقبل ضابط في الجيش بوجود قوة عسكرية موازية للدولة تمتلك سلاحاً وقرار حرب وسلماً خارج المؤسسات الشرعية؟
الجيش اللبناني ليس تنظيماً سياسياً ولا ميليشيا. هو مؤسسة وطنية يفترض أن يكون ولاؤها الوحيد للدولة والدستور. وأي ضابط يرى أن هناك سلاحاً «مقدساً» لا يمكن للدولة أن تقترب منه، أو يلوّح بالاستقالة إذا طُلب منه تنفيذ قرار رسمي، لا مكان له في مؤسسة عسكرية يفترض أنها تحمي سيادة البلد.
الأخطر أن هذا النوع من الخطاب يعيد اللبنانيين مباشرة إلى ذاكرة السبعينيات. يومها أيضاً بدأت الأمور ببيانات وتحريض سياسي داخل المؤسسة العسكرية، ثم ظهر ضباط قرروا أن ولاءهم السياسي أو الطائفي أهم من وحدة الجيش. وكانت النتيجة انشقاقات عسكرية ساهمت في تفجير الحرب الأهلية ودمار البلد لسنوات طويلة.
اليوم، إعادة طرح هذه الفكرة — ولو بالتلميح — هو محاولة خطيرة لتطبيع فكرة أن الجيش قد ينقسم إذا قررت الدولة فرض سيادتها. وهذا بحد ذاته تهديد مباشر للاستقرار الوطني.
لكن وسط هذا الضجيج، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: أين رئيس الجمهورية جوزاف عون بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة؟ وأين قيادة الجيش من بيان بهذه الخطورة يتحدث باسم ضباط داخل المؤسسة؟
إذا كان هذا الكلام غير صحيح، فالصمت غير مقبول ويجب توضيح الحقيقة فوراً. أما إذا كان صحيحاً، فالمسألة أخطر بكثير مما يتصور البعض، لأنها تعني أن الانقسام السياسي بدأ يتسلل إلى داخل آخر مؤسسة ما زالت تجمع اللبنانيين.
لبنان لا يمكن أن يقوم بجيشين، ولا بدولتين داخل دولة واحدة. وأي محاولة لإقناع اللبنانيين بأن الجيش قد ينقسم إذا طُرح موضوع سلاح حزب الله ليست سوى محاولة مكشوفة لفرض أمر واقع بالقوة والتهويل.
فالدولة التي يُخيفها مجرد النقاش بسيادتها، ليست دولة… بل رهينة.
هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )
المصدر : Transparency News








