فضيحة دستورية في الموازنة: هل تُشرَّع المخالفات بأثر رجعي في الحكومة؟
14-03-2026 09:01 AM GMT+02:00
ما يجري اليوم في قضية قانون الموازنة لعام 2026 يطرح مسألة تتجاوز مجرد نقاش تقني حول إجراءات تشريعية. نحن أمام سؤال يمس صلب النظام الدستوري: هل يمكن تصحيح مخالفة دستورية فادحة بعد صدور القانون عبر قرار حكومي متأخر؟
الوقائع المتوافرة تشير إلى أن المجلس النيابي أدخل تعديلات على مشروع الموازنة تضمنت زيادة في الاعتمادات المالية. وهذه ليست مسألة تفصيلية أو تقنية، بل تعديل يمس جوهر السياسة المالية للدولة.
المشكلة لا تكمن في التعديل بحد ذاته، بل في كيفية حصوله.
فإعداد مشروع الموازنة هو اختصاص دستوري للحكومة، وأي تعديل جوهري عليه يقتضي صدور قرار صريح عن مجلس الوزراء وفق الأصول الدستورية، لأن الحكومة هي الجهة التي ترسم السياسة المالية للدولة وتتحمل مسؤوليتها.
لكن ما حدث، بحسب الوقائع الرسمية، أن المجلس النيابي أجرى تعديلات على مشروع حكومي أساسي في السياسة المالية للدولة، وهي تعديلات تفرض دستورياً صدور قرار واضح عن مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين، من دون أن تكون هناك إرادة حكومية دستورية صريحة أو قرار أصولي صادر عن الحكومة مجتمعة.
بمعنى آخر، جرى تعديل مشروع حكومي جوهري في السياسة المالية للدولة من دون أن تكون الحكومة قد اتخذت القرار الدستوري الذي يسمح بذلك.
وعندما بادر المجلس الدستوري إلى مراسلة الحكومة طالباً توضيح ما إذا كان مجلس الوزراء قد اتخذ قراراً يوافق فيه على هذه التعديلات، جاء الجواب كاشفاً.
لم تقدّم الحكومة قراراً صادراً عن مجلس الوزراء.
بل جاء الرد بأن وزير المال ورئيس الحكومة كانا على اطلاع على التعديلات.
وهنا تكمن المشكلة الدستورية بكل وضوح. فالاطلاع ليس قراراً، والعلم ليس موافقة، والوزراء فرادى لا يشكلون إرادة الحكومة الدستورية.
فالحكومة، وفق الدستور، لا تعبّر عن إرادتها إلا بقرار صادر عن مجلس الوزراء مجتمعاً، وليس عبر مواقف فردية أو معرفة مسبقة لدى بعض الوزراء.
بعبارة أخرى، ما أكدته الحكومة في ردها هو أن القرار المطلوب دستورياً لم يصدر.
لكن ما جرى لاحقاً يزيد خطورة المشهد.
فبدلاً من الاعتراف بالمخالفة الدستورية التي شابت مسار إقرار القانون، قررت الحكومة إصدار موافقة لاحقة على التعديلات بعد صدور القانون، في محاولة لمعالجة الخلل الذي انكشف.
وهنا ندخل في منطقة شديدة الخطورة من الاجتهاد الدستوري.
فالقواعد الدستورية لا يمكن تصحيحها بأثر رجعي، والشرعية الدستورية لا تُمنح للقوانين بعد صدورها بقرار سياسي متأخر.
الإجراءات الدستورية التي تحكم العملية التشريعية يجب أن تُحترم أثناء إقرار القانون نفسه، لا بعد اكتماله.
فالقانون إذا صدر نتيجة مسار مخالف للدستور لا يصبح دستورياً بقرار لاحق. الدستور لا يعرف فكرة تصحيح المخالفات بعد وقوعها.
القبول بهذا المنطق سيؤدي إلى نتيجة خطيرة للغاية.
فإذا أصبح ممكناً تعديل مشاريع القوانين الحكومية داخل البرلمان من دون موافقة الحكومة وفق الأصول، ثم تأتي الموافقة لاحقاً لتغطية المخالفة، فإن ذلك سيحوّل مجلس الوزراء من سلطة دستورية تقرر السياسات العامة إلى مجرد جهة تصادق لاحقاً على ما يقرره البرلمان تحت ضغط الأمر الواقع.
وهذا لا يعني سوى شيء واحد: اختلال خطير في التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
الأمر هنا لا يتعلق بتفصيل تقني في قانون الموازنة، بل بمبدأ دستوري أساسي. احترام الأصول الدستورية ليس شكلاً إجرائياً يمكن تجاوزه عند الحاجة، بل هو الضمانة التي تمنع تحوّل النظام الدستوري إلى نظام تحكمه الوقائع السياسية لا القواعد الدستورية.
اليوم، يقف المجلس الدستوري أمام لحظة مفصلية.
فإما أن يؤكد قاعدة بسيطة لكنها جوهرية، وهي أن الشرعية الدستورية يجب أن تكون قائمة لحظة ولادة القانون.
وإما أن يفتح الباب أمام سابقة تسمح بتشريع المخالفات الدستورية بعد وقوعها.
والتاريخ الدستوري يعلمنا أن الدساتير لا تنهار فجأة، بل تبدأ بالتآكل عندما تتحول المخالفات إلى سوابق.
لهذا السبب، فإن القضية المطروحة اليوم لا تتعلق فقط بقانون الموازنة لعام 2026، بل بمستقبل احترام الدستور نفسه.
فالخيار المطروح ليس بين اجتهادين قانونيين.
بل بين منطقين واضحين:
إما دولة يحكمها الدستور،
أو دستور يُعاد تفسيره كلما اصطدم بالوقائع السياسية
المصدر : Transparency News








