في بلدٍ يعيش على وقع أزمات سياسية وأمنية واقتصادية متلاحقة، قد يبدو الحديث عن تحسّن في أي مرفق عام أمراً نادراً. غير أن البيان الأخير الصادر عن مؤسسة كهرباء لبنان يقدّم مؤشراً مختلفاً نسبياً: ساعات التغذية الكهربائية شهدت تحسناً تدريجياً خلال السنوات الثلاث الأخيرة، رغم كل ما يحيط بالبلاد من اضطرابات.


فالبيان الذي عرض أرقام التغذية بين عام 2024 وشباط 2026 يكشف مساراً تصاعدياً واضحاً. ففي عام 2024، كانت التغذية متذبذبة إلى حدّ كبير، إذ تراوحت بين أربع وست ساعات يومياً في بعض الأشهر، قبل أن تتراجع في فترات أخرى إلى أقل من ساعتين نتيجة نقص الفيول والضغوط المالية.

لكن ابتداءً من عام 2025 بدأ التحسن يظهر بصورة أكثر وضوحاً. فقد ارتفعت ساعات التغذية في عدد من الأشهر إلى ما بين ست وتسع ساعات يومياً. ويعود ذلك، بحسب المؤسسة، إلى تحسين الجباية وإطلاق حملات لنزع التعديات على الشبكة، ما سمح بزيادة الإيرادات الذاتية وشراء الفيول اللازم لتشغيل معامل الإنتاج.

أما في مطلع عام 2026، فقد بلغ التحسن مستوى إضافياً، إذ سجّل متوسط التغذية بين ست وتسع ساعات يومياً في كانون الثاني، وارتفع في شباط إلى ما بين سبع وعشر ساعات يومياً، وهو مستوى يُعد من الأفضل منذ سنوات طويلة في ظل الانهيار الذي أصاب قطاع الكهرباء.

ما يلفت في هذا التطور أنه تحقق في وقت يعيش فيه لبنان والمنطقة واحدة من أكثر المراحل اضطراباً، من الحرب الدائرة في الإقليم إلى الانهيار الاقتصادي الداخلي، مروراً بالضغوط المالية التي يعانيها القطاع العام. ومع ذلك، يظهر بيان المؤسسة أن تحسين التغذية كان ممكناً عندما تحسّنت الجباية وتراجعت التعديات وتم توجيه الإيرادات مباشرة إلى شراء الفيول.

غير أن البيان لا يخفي أيضاً التحديات التي لا تزال قائمة. فمؤسسة كهرباء لبنان تشير إلى أن الإدارات الرسمية والمؤسسات العامة ما زالت متخلّفة عن تسديد مستحقات تقدَّر بنحو 270 مليون دولار، إضافة إلى استهلاكات مخيمات اللاجئين الفلسطينيين التي تقارب 30 مليون دولار سنوياً. وتؤكد المؤسسة أن تسديد هذه المبالغ يمكن أن يتيح رفع التغذية اليومية بنحو ساعتين إضافيتين.

بهذا المعنى، تكشف الأرقام الواردة في البيان حقيقة أساسية: أزمة الكهرباء في لبنان ليست قدراً تقنياً بحتاً، بل هي في جزء كبير منها أزمة إدارة ومالية. فحين تتحسن الجباية وتُضبط التعديات وتتوافر الموارد لشراء الفيول، ترتفع ساعات التغذية حتى في أصعب الظروف.

وربما تكمن المفارقة في أن هذا التحسن يأتي في لحظة يعيش فيها لبنان توترات غير مسبوقة. لكن الأرقام الواردة في بيان مؤسسة كهرباء لبنان توحي بأن الإدارة الأكثر صرامة للموارد والجباية قادرة، حتى في زمن الأزمات، على إحداث فارق ملموس في حياة اللبنانيين.


المصدر : Transparency News