"جريدة الأخبار" مرة أخرى: ماكينة افتراء في خدمة ميليشيا تريد تحويل بيروت إلى درع بشري
14-03-2026 02:23 PM GMT+02:00
أحدث فصول هذا النهج تمثل في الحملة التي شنتها الصحيفة على خلفية اجتماع عقده أعضاء في مجلس بلدية بيروت مع النائب فؤاد مخزومي، وهو اجتماع تناول مسألة شديدة الحساسية في ظل الظروف الأمنية الحالية: كيفية حماية العاصمة وسكانها في ظل التصعيد العسكري والاستهدافات الإسرائيلية التي تطال قيادات وكوادر مرتبطة بمحور إيران، وفي مقدمتها عناصر في “حزب الله” وتنظيمات تدور في فلكه مثل الجماعة الإسلامية، فضلاً عن الارتباطات المعروفة مع الحرس الثوري الإيراني.
في ذلك الاجتماع، طرح النائب مخزومي فكرة لا تخرج عن أبسط قواعد الإدارة المدنية للمدن الكبرى في العالم: أن يكون كل مستأجر في أي شقة داخل بيروت مسجلاً بعقد إيجار رسمي لدى البلدية، وأن تكون هناك معرفة واضحة لدى المؤسسات الرسمية بالساكنين في الأبنية داخل العاصمة. هذا الإجراء ليس استثنائياً ولا طارئاً، بل هو قاعدة تنظيمية وإدارية مطبقة في معظم الدول، حيث من الطبيعي أن تعرف السلطات المحلية من يقيم في المباني السكنية ضمن نطاقها، وأن تكون عقود الإيجار مسجلة لدى البلديات أو الجهات المختصة.
الهدف من هذا الطرح كان واضحاً ومباشراً: تنظيم واقع الإقامة داخل بيروت، وتقليل المخاطر على المدنيين في ظل ظروف أمنية بالغة الحساسية. فحين تكون السلطات المحلية على علم بمن يقيم في المباني، يصبح من الممكن الحد من استغلال الشقق والمباني السكنية لأغراض قد تعرّض سكانها للخطر، خصوصاً في ظل الاستهدافات التي تلاحق كوادر مرتبطة بمحور إيران.
لكن ما جرى بعد الاجتماع كشف مرة أخرى آلية العمل المعروفة لدى جريدة “الأخبار”. فبدلاً من نقل الوقائع كما هي، لجأت الصحيفة إلى اقتطاع الكلام من سياقه وإعادة صياغته بطريقة تحريضية، مستندة إلى تسريبات من بعض أعضاء المجلس البلدي المحسوبين على الثنائي الشيعي و*“حزب الله”*. فجأة تحولت فكرة تنظيمية بديهية إلى ما وصفته الصحيفة بأنه “محاولة للتجسس على النازحين ومراقبتهم”.
هذه الرواية ليست مجرد تحريف للوقائع، بل فبركة سياسية مكتملة الأركان. فاقتراح تسجيل عقود الإيجار ومعرفة القاطنين في الأبنية ليس إجراءً موجهاً ضد النازحين ولا ضد أي فئة اجتماعية، بل هو إجراء إداري طبيعي هدفه حماية السكان وتنظيم المدينة. لكن تحويله إلى “مشروع تجسس” يكشف شيئاً أعمق بكثير من مجرد اختلاف في الرأي: إنه يعكس ذهنية سياسية ترى في الفوضى شرطاً أساسياً لبقاء الميليشيات.
فالفوضى هي البيئة المثالية للسلاح الخارج عن الدولة. أما التنظيم والشفافية ومعرفة من يقيم في الأبنية، فهي خطوات تضيق هامش الحركة أمام المجموعات المسلحة التي اعتادت العمل داخل النسيج المدني.
ولهذا لم يكن مستغرباً أن يبادر بعض المحسوبين على “حزب الله” داخل المجلس البلدي إلى تسريب روايات مضللة لجريدة “الأخبار”، في محاولة واضحة لتحويل النقاش من حماية المدنيين إلى اتهامات سياسية وهمية. فبدلاً من مناقشة كيفية تقليل المخاطر على سكان بيروت، جرى افتعال جدل مفتعل حول “مراقبة النازحين”.
المفارقة أن بيروت اليوم تتحمل العبء الأكبر في استقبال النازحين نتيجة التصعيد العسكري. وقد قامت بلدية بيروت بسلسلة إجراءات ملموسة للتعامل مع هذا الواقع، من بينها تخصيص ميزانيات إضافية لتلبية الحاجات الإنسانية للنازحين، والعمل على إنشاء مراكز إيواء جديدة لتخفيف الضغط عن الأحياء السكنية. كما جرى اعتماد المدينة الرياضية كمركز إضافي لاستقبال العائلات النازحة، في خطوة هدفت إلى تنظيم عملية الإيواء وتخفيف الضغط عن المراكز القائمة.
وفي هذا الإطار، تولت مؤسسة مخزومي بالتعاون مع بلدية بيروت ووزارة الشؤون الاجتماعية تجهيز هذا المركز وتأمين احتياجاته الأساسية، في محاولة لتوفير ظروف إنسانية أفضل للعائلات التي اضطرت إلى مغادرة مناطقها. هذه الجهود، التي يفترض أن تشكل نموذجاً للتعاون بين المؤسسات العامة والمبادرات المدنية، تحولت في خطاب جريدة “الأخبار” إلى مادة للتحريض السياسي.
لكن المشكلة الحقيقية التي يحاول البعض الهروب منها هي أن بيروت ليست ساحة حرب. فالمدن لا يمكن أن تُدار بعقلية الميليشيات، ولا يجوز تحويل الأحياء السكنية إلى منصات لصراعات إقليمية. وعندما تُطرح إجراءات تنظيمية بسيطة كمعرفة من يقيم في المباني، فإن الهدف هو حماية المدنيين من أن يتحولوا إلى أهداف في حرب لا علاقة لهم بها.
التجارب في المنطقة أثبتت مراراً أن استخدام الأحياء المدنية كمخابئ أو منصات عسكرية يؤدي دائماً إلى النتيجة نفسها: سقوط المدنيين كضحايا. ولهذا فإن أي خطوة تهدف إلى تنظيم الواقع المدني وتقليل المخاطر على السكان يجب أن تكون موضع دعم لا موضع تحريض.
لكن ما كشفته هذه القضية مرة أخرى هو طبيعة ماكينة التضليل التي تديرها جريدة “الأخبار”. فهذه الصحيفة لم تعد مجرد منبر إعلامي منحاز، بل أصبحت جزءاً من منظومة دعائية هدفها الأساسي تعطيل أي محاولة لإعادة الاعتبار لمنطق الدولة في لبنان.
في نهاية المطاف، المسألة ليست خلافاً إعلامياً عابراً، بل صراع بين منطقين متناقضين: منطق الدولة الذي يسعى إلى حماية المدنيين وتنظيم المدن، ومنطق الميليشيا الذي يقوم على إبقاء الفوضى قائمة واستخدام المدنيين كغطاء في صراعات أكبر منهم.
وبين هذين المنطقين، تبدو الحقيقة واضحة: حماية بيروت وسكانها ليست مؤامرة، بل واجب الدولة الأول. أما تحويل هذا الواجب إلى مادة للتحريض الإعلامي، فهو دليل إضافي على أن بعض القوى السياسية لا ترى في المدنيين مواطنين يجب حمايتهم، بل مجرد أوراق في لعبة الحرب.
المصدر : Transparency News








