نبيل بدر و”فزاعة البلدية”: محاولة جديدة لتغطية الانهيار.. لماذا تجاهل 160 مليون دولار؟
18-03-2026 08:01 AM GMT+02:00
الواقع مختلف تماماً. بلدية بيروت تعمل داخل بيئة دولة منهارة، حيث الموارد العامة شحيحة، والإدارة المركزية عاجزة، والقرارات الأساسية معلّقة بين الانقسامات السياسية. منذ عام 2019، لم تعد المؤسسات اللبنانية تعمل وفق الحد الأدنى من الاستقرار، بل تحوّلت إلى هياكل شبه مشلولة. ضمن هذا السياق، لا يمكن قراءة أداء أي جهاز محلي بمعزل عن الانهيار الشامل. ومع ذلك، ورغم هذا الواقع، لم تتوقف البلدية عن أداء دورها، بل اضطرت عملياً إلى لعب أدوار ليست من اختصاصها أصلاً. في ملف النازحين تحديداً، وهو ملف سيادي بامتياز، تدخلت البلدية لتأمين مراكز إيواء، وتقديم مساعدات أساسية، والتنسيق مع جهات دولية ومحلية لتخفيف الأعباء. هذه ليست تفاصيل هامشية، بل مؤشرات واضحة على أن البلدية ملأت فراغ الدولة عندما انسحبت الأخيرة من مسؤولياتها.
لكن ما يحصل هو العكس تماماً: بدل مساءلة الحكومة المركزية عن تقصيرها، يتم توجيه الاتهام إلى البلدية. هذا التحوير في بوصلة المسؤولية ليس بريئاً، بل يعكس إرادة سياسية في تحويل الأنظار. فالمجلس البلدي ليس الجهة التي تضع سياسات النزوح، ولا هو الذي يحدد آليات التمويل الدولية، ولا هو الذي يدير الأمن العام. ومع ذلك، يُطلب منه أن يتحمل نتائج كل هذه الملفات دفعة واحدة، ثم يُدان لأنه لم ينجح في معالجتها بالكامل. هذا ليس نقداً، بل محاكمة مبنية على فرضيات خاطئة.
في هذا الإطار، يبرز خطاب النائب نبيل بدر كمثال صارخ على الازدواجية السياسية. الرجل الذي يتحدث اليوم عن سوء إدارة الموارد في بلدية بيروت، هو نفسه الذي وافق على تخصيص 160 مليون دولار لمجلس الجنوب من دون أن يسجّل اعتراضاً مماثلاً أو يثير الأسئلة ذاتها حول الشفافية والحوكمة. هذه المفارقة لا يمكن تجاهلها، لأنها تكشف أن المسألة ليست مرتبطة بمبدأ واحد ثابت، بل بمعايير تتبدل تبعاً للموقع السياسي للجهة المعنية. حين تكون الأموال في سياق معين، تسكت الأسئلة، وحين تنتقل إلى سياق آخر، تتحول فجأة إلى قضية رأي عام.
الأكثر إشكالية أن النقد الموجّه إلى المجلس البلدي يتجاهل أن جزءاً من تركيبته هو نتاج مباشر للقوى السياسية نفسها التي تهاجمه اليوم. فبعض الأعضاء الذين يُستخدمون كدليل على “فشل المجلس” وصلوا بدعم واضح من جهات سياسية، من بينها النائب نفسه. هنا يسقط الخطاب بالكامل في تناقضه الداخلي: لا يمكن الترويج لمجلس على أنه نتيجة خيارات سياسية، ثم التنصل من هذه الخيارات عندما لا تعجب نتائجها. المساءلة الحقيقية تبدأ من الذات، لا من الآخرين.
أما الدعوة إلى الاستقالة، فهي بدورها تفتقر إلى الحد الأدنى من الاتساق. كيف يمكن لنائب في مجلس مدّد لنفسه من دون العودة إلى الناس، أن يطالب مجلساً منتخباً بالاستقالة؟ أي منطق سياسي أو أخلاقي يسمح بهذا النوع من الخطاب؟ إذا كان المعيار هو الاحتكام إلى الإرادة الشعبية، فإن أول من يجب أن يلتزم به هم من يرفعون هذا الشعار، لا أن يستخدموه كسلاح انتقائي ضد خصومهم.
المشكلة الأعمق في هذا السجال هي الخلط المتعمّد بين مستوى الإدارة المحلية ومستوى الانهيار الوطني. بلدية بيروت ليست حكومة، ولا تملك أدوات السياسة النقدية، ولا تتحكم بمسار الاقتصاد، ولا تدير العلاقات الدولية. ومع ذلك، يجري تصويرها وكأنها المسؤول الأول عن الفوضى في العاصمة. هذا التبسيط ليس فقط غير دقيق، بل يساهم في تضليل الرأي العام، لأنه يخلق انطباعاً بأن تغيير المجلس البلدي كفيل بحل الأزمة، فيما الحقيقة أن جذور الأزمة أعمق بكثير وتمتد إلى بنية النظام السياسي برمّته.
حتى في ما يتعلق بالشق المالي، يتم استخدام أرقام مثل “90 مليون دولار” بطريقة شعبوية، من دون شرح القيود الفعلية التي تحكم هذه الأموال. جزء كبير منها مخصص لمشاريع محددة، وجزء آخر خاضع لقيود مصرفية وإدارية تجعل استخدامه محدوداً ومعقداً. بالتالي، الحديث عن “أموال ضخمة غير مستثمرة” يتجاهل السياق القانوني والمالي الذي يقيّد حركة البلدية، ويحوّل النقاش إلى مادة للاستهلاك السياسي بدل أن يكون نقاشاً تقنياً جدياً.
في المحصلة، ما يجري ليس نقاشاً حول أداء بلدية بيروت بقدر ما هو صراع على تحميل المسؤوليات. هناك من يريد اختزال أزمة دولة كاملة في مؤسسة واحدة، لأن ذلك أسهل وأقل كلفة سياسياً. لكن هذه المقاربة لن تنتج حلولاً، بل ستعمّق الأزمة، لأنها تعفي الجهات الفعلية المسؤولة من المحاسبة.
بلدية بيروت ليست فوق النقد، لكنها أيضاً ليست شماعة لتعليق فشل الآخرين. هي تعمل ضمن ظروف استثنائية، وتقوم بما تستطيع في ظل غياب شبه كامل للدولة. المطلوب اليوم ليس المزيد من الخطابات الشعبوية، بل إعادة توجيه النقاش نحو جوهر المشكلة: دولة عاجزة، نظام سياسي مشلول، ومؤسسات تحتاج إلى إصلاح جذري. أما الاستمرار في استهداف العمل البلدي بهذه الطريقة، فلن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: إضعاف ما تبقى من قدرة المدينة على الصمود.
المصدر : Transparency News








