سمير المصري


دخل لبنان والمنطقة الأسبوع الثالث من الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى، فيما يتّضح أكثر فأكثر أن الساحة اللبنانية تحوّلت مرة جديدة إلى خط تماس متقدم في صراع إقليمي لا يملك اللبنانيون قرار الدخول فيه ولا القدرة على الخروج منه.

 ومع اتساع رقعة المواجهة وتزايد الضربات العسكرية، يتكرّس واقع ميداني وإنساني قاسٍ: من يدفع الثمن حتى الآن هو الشعب اللبناني بأكمله، وبشكل خاص البيئة الاجتماعية الحاضنة لـ”حزب الله”، التي تتعرض لموجات متلاحقة من الدمار والتهجير وخسارة المنازل والممتلكات.

ورغم حجم الخسائر البشرية والمادية، لا تزال قيادة “حزب الله” تعتمد خطابًا تصعيديًا تجاه الداخل اللبناني، قائمًا على التخوين والتهديد والوعيد لكل من يرفض ما يسمّيه الحزب “حروب الإسناد”، أو يعترض على إدخال لبنان في مواجهة مفتوحة خدمةً لأجندات إقليمية تتجاوز المصلحة الوطنية. إذ يستمر الحزب في اتهام معارضيه بأنهم أدوات للولايات المتحدة أو إسرائيل، متجاهلًا أن مسألة الاختراقات الأمنية التي يتحدث عنها ليست محصورة ببيئة معينة، بل طالت في مراحل مختلفة شخصيات ودوائر قريبة من بنيته التنظيمية نفسها، وفق ما كشفت عنه حوادث أمنية متكررة خلال السنوات الماضية.

لكن المفارقة الأكثر إيلامًا في هذه المرحلة لا تكمن فقط في حجم الدمار الذي أصاب القرى الجنوبية والمناطق الحدودية، بل في التحوّل الاجتماعي الذي بدأ يظهر داخل بعض تجمعات النازحين، حيث برزت تصرفات مسيئة في عدد من المناطق اللبنانية التي فتحت أبوابها لاستقبال المهجّرين، وقدّمت لهم أشكالًا متعددة من الدعم الإنساني، رغم التباينات السياسية العميقة مع الحزب الذي ينتمون إليه.

فمنذ الأيام الأولى للنزوح، احتضنت مدن وبلدات لبنانية عديدة — من مختلف الطوائف والانتماءات — آلاف العائلات المهجّرة، وقدّمت لها المساعدات الغذائية والطبية والخدمات الأساسية، إضافة إلى المبادرات الاجتماعية والترفيهية للأطفال، في محاولة للتخفيف من آثار الصدمة النفسية الناتجة عن القصف والاقتلاع القسري من المنازل. وقد شاركت في هذه الجهود جهات رسمية وبلديات وجمعيات مدنية وأحزاب سياسية، بما فيها قوى معارضة صراحةً لخيار الحرب الذي فرضه “حزب الله” على البلاد.

إلا أن هذا الاحتضان الواسع لم يُقابَل دائمًا بالمستوى نفسه من المسؤولية الاجتماعية لدى بعض النازحين، حيث ظهرت في عدد من المناطق سلوكيات أثارت استياءً واسعًا بين السكان المحليين، خصوصًا في ما يتعلق بحمل السلاح داخل مراكز الإيواء، أو إظهار مظاهر حزبية استفزازية في بيئات اجتماعية تعارض أصلًا إدخال لبنان في هذه الحرب.

فالسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في هذا السياق: ما معنى أن يحمل نازح سلاحًا متوسطًا داخل مدرسة أو مركز إيواء لجأ إليه مع عائلته طلبًا للحماية من القصف؟ ضد من يمكن استخدام هذا السلاح؟ وهل الهدف حماية العائلات النازحة، أم إرسال رسائل سياسية إلى المجتمع المضيف؟ أم أن هذا السلوك يعكس استمرار التعامل مع لبنان كساحة مفتوحة للصراع الداخلي بدل أن يكون مساحة تضامن وطني في مواجهة خطر مشترك؟

كما أثارت مشاهد رمي المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية في حاويات النفايات أو على جوانب الطرقات موجة استغراب واسعة، خصوصًا أن هذه المساعدات تأتي من جمعيات ومبادرات أهلية تعمل في ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة. ففي بلد يعاني من انهيار مالي غير مسبوق، حيث يعيش جزء كبير من السكان تحت خط الفقر، يصبح إهدار المواد الغذائية مسألة تتجاوز السلوك الفردي لتتحول إلى إشارة سلبية تهدد التماسك الاجتماعي في مرحلة شديدة الحساسية.

ولا يقل إثارة للجدل عن ذلك رفع الأعلام الحزبية على السيارات وأمام مراكز الإيواء، في مناطق يعرف الجميع أنها تضم شرائح واسعة من اللبنانيين الذين يعارضون سلاح “حزب الله” وخياراته العسكرية. فهل الهدف التعبير عن هوية سياسية؟ أم فرض حضور رمزي في بيئات اجتماعية مختلفة؟ أم خلق توتر غير مبرر في لحظة يحتاج فيها اللبنانيون إلى الحد الأدنى من التضامن الوطني؟

هذه الأسئلة لا تنفصل عن سؤال أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة التي بناها الحزب خلال السنوات الماضية مع المجتمع اللبناني خارج بيئته المباشرة. إذ يبدو أن خطاب التعبئة المستمر، القائم على ثنائية “المقاومة والخيانة”، ساهم في ترسيخ حالة من الانقسام النفسي والاجتماعي بين اللبنانيين، انعكست اليوم في سلوكيات متوترة داخل مناطق النزوح، بدل أن تتحول هذه اللحظة إلى فرصة لإعادة بناء الثقة الوطنية.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الواقع الاجتماعي الصعب الذي تعيشه الغالبية الساحقة من العائلات النازحة، إذ تشير المعطيات الميدانية إلى أن جزءًا محدودًا فقط من هذه العائلات يملك القدرة المالية على استئجار منازل وتأمين احتياجاته الأساسية، بينما تعتمد الأكثرية على المساعدات الإنسانية وعلى مبادرات المجتمع المحلي. وهذا الواقع يفرض مقاربة مسؤولة ومتوازنة، تميّز بين الحاجة الإنسانية المشروعة وبين السلوكيات الفردية التي قد تضر بالعلاقة بين النازحين والمجتمع المضيف.

غير أن المشكلة الأساسية تبقى سياسية قبل أن تكون اجتماعية. فلبنان، مرة جديدة، يجد نفسه في قلب حرب لا يملك قرارها، فيما تتحمل بيئته الداخلية أثمانًا باهظة نتيجة خيارات عسكرية اتُّخذت خارج إطار الدولة ومؤسساتها. ومع استمرار الخطاب التصعيدي الداخلي، يتزايد القلق من انتقال التوتر العسكري إلى توتر اجتماعي قد يعيد إنتاج مشاهد الانقسام التي عاشها اللبنانيون في مراحل سابقة من تاريخهم الحديث.

وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعة وطنية شاملة لمسار السنوات الماضية، ليس فقط لتقييم نتائج الخيارات العسكرية التي أدخلت لبنان في صراعات متكررة، بل أيضًا لاستخلاص الدروس من التجارب السابقة التي قادت البلاد إلى الحرب الأهلية، والتي دفعت جميع اللبنانيين ثمنها من دون استثناء.

فلبنان اليوم يقف مرة جديدة أمام اختبار خطير: إما أن يتحول النزوح إلى فرصة لإعادة بناء التضامن الوطني، أو أن يتحول إلى عامل إضافي في تعميق الانقسام الداخلي. وبين هذين الخيارين، يبقى الأمل أن تسود الحكمة والوعي، وأن يدرك اللبنانيون جميعًا أن حروب الآخرين على أرضهم لم تجلب يومًا سوى الدمار، وأن حماية المجتمع تبدأ أولًا بحماية وحدته.

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )


المصدر : Transparency News