خاص- قرار معطّل وعهد متواطئ... من يدير اللعبة؟
25-03-2026 03:33 PM GMT+02:00
منذ البداية، لم يوارب رئيس الحكومة نواف سلام ولم يخفِ خياره في بناء دولة مؤسسات غير منحازة لأي طرف، منذ حادثة صخرة الروشة وقرار حصر السلاح وتوكيل المهمة إلى الجيش اللبناني في صيف 2025، ومن ثم قرار حظر الأعمال العسكرية لحزب الله وتصنيفه كمنظمة خارجة عن القانون، ورغم مد اليد للحزب منذ البداية وتعيين وزيرين له في الحكومة. إلا أن ذلك التعاطي لم يتخطى التعاطي السياسي في نظام تحكمه التسويات.
في المقابل، لم يبدِ رئيس مجلس النواب نبيه بري أي انفتاح على قرارات الحكومة السيادية بشكل واضح أو تصريح رسمي، بل كان وجه حزب الله الآخر في الدولة، بصورة سياسية أكثر حنكة تجيد تدوير الزوايا لأخذ ما تريد ورفض ما لا تريد من القرارات بين اللعب على الحبال وإطلاق تسريبات، لم تكن بأغلبها صحيحة حتى دخول حزب الله معركة إسناد مرشد طهران وإقرار حظر أعمال حزب الله العسكرية.
أخذ برّي بالطبقة السياسية والإعلام والأوساط إلى البحر و"ردّهم عطشانين".
لا يزال برّي يتحكّم بمفاصل اللعبة السياسية وبالدولة العميقة التي نخرها منذ ٤٠ عاماً وعمل على تطويعها لصالحه من أصغر موظف إلى أرفع المناصب من مدراء عامين وأجهزة أمنية وفي القضاء.
فهل من لا يزال يعتبر أن برّي كان ولا يزال صمّام أمان الدولة أو أنه مهندس التعطيل بوجه التغيير الحقيقي لبناء دولة خالية من الفساد والسلاح؟ أو أنه أكثر حرصاً على الطائفة الشيعية من حزب الله؟
فالتجارب والأيام أثبتت أنهما وجهين لهدف واحد، ضرب الدولة وتدميرها وتطويعها من أجل تحقيق مشروعيهما.
وبين خيارين متناقضين وواضحين حمل لواءهما واحد رئيس الحكومة والآخر رئيس مجلس النواب، يقف رئيس الجمهورية جوزيف عون بلا لون واضح، رامياً خطاب القسم بالبور، وأداء سياسي وممارسات يوميّة بالفلاحة.
كان أمل اللبنانيين بالعهد الجديد تغيير مسار العهود السابقة، من الكذب والتضليل والتواطؤ مع الطبقة السياسية بعهد أكثر صراحة ووضوحاً لتأسيس مسار سياسي يبني الدولة ويلغي حضور الدويلة الموازية في المؤسسات الإدارية والعسكرية والقضائية لتعزيز المواطنة والمساواة، في حين كان لوم العهود السابقة على الصلاحيات.
وبعد خطاب القسم الشهير، شكلت ممارسات العهد الجديد برئيسه أكبر خيبة للبنانيين، في ممارسات غريبة عن الواقع والمنطق والتحولات في المنطقة والعالم.
فلم ينقض مسار عون مسار أسلافه، في حين بقي ولاء بعبدا لعين التينة، ضد قرارات الحكومة ورئيسها.
ففيما تعهد عون بقسمه تنفيذ القرارات الدولية، خلف بعهده ولم يعمل لتطبيق لا اتفاق وقف إطلاق النار ولا غيره.
ومنذ حادثة صخرة الروشة وبعد منع الحكومة التعدي على الأملاك العامة والمعالم السياحية، رفض قائد الجيش تنفيذ تطبيق القرار وسمح لحزب الله بتنفيذ مشروعه. فكانت أول ضربة للدولة ونكسة للعهد الذي بقي صامتاً حيال ما جرى.
وبعد اتخاذ الحكومة قرار حصر السلاح وتوكيل المهمة إلى الجيش اللبناني من أجل وضع خطة للتنفيذ لم تسير الأمور كما يجب، ولم يُسحب السلاح.
وبعد اتخاذ الحكومة قرار حظر الأعمال العسكرية من جديد رفض قائد الجيش رودولف هيكل تطبيق القرار، فيما بقي رئيس العهد صامتاً أمام ممارسات قائد الجيش الاعتباطية. فهل هو تغطية ضمنية لممارسات تطمح إليها عين التينة؟
وبعد توقيف عناصر لحزب الله وإحالتهم إلى المحكمة العسكرية بعد يومين من القرار فقط، تم الإفراج عنهم بحكم قضى بدفع بـ٢١$!
أهذه محاكمة عادلة لتهمة حيازة ونقل أسلحة، في حين يحاكم من يُعثر معه على سكينة "٦ طقات"، ٦ أشهر سجن؟
وفيما يشكو الكثير من تقلص صلاحيات رئيس الجمهورية بعد اتفاق الطائف وتجيير البعض منها لرئاسة الحكومة، لا تبدو مشكلة الرئيس عون بالصلاحيات، بل بالخيارات التي حوّلها إلى صلاحيات تعطيلية لقرارات مجلس الوزراء والرئيس نواف سلام، انسجاماً مع خيارات عين التينة السياسية، واستكمالاً لمسار عهود سابقة من تواطؤ على الشعب، بدلاً من مواجهة الدولة العميقة. فاختار عون الطريق الأسهل بعد سلسلة مسرحيات الكبسات في أول العهد على المرافق والإدارات العامة بشعبوية مقيتة وساذجة ومنافقة لاستقطاب الزخم والدفع الشعبي لعهد أراد أن يقوم شعبه عنه بواجباته، ليبقى صامتاً في دائرة الأمان وتحييد قصره عن "وجعات الراس" بتحمل المسؤوليات وإتمام المهمات الصعبة.
ألا يجب بقصر بعبدا أن يمسك بزمام الأمور لاستعادة الدولة بدل التفرج كبقية اللبنانيين؟
ألا يجب أن يخاطب رئيس العهد شعبه بما يحصل وبما تنوي بعبدا اتخاذ من إجراءات لتحييد الشعب منذ اندلاع الحرب؟ أو كُتب لقصر بعبدا أن يبقى غائباً، بلا أثر ولا موقف؟
لم ينجح العهد بإنجاز أي مهمة تذكر حتى اللحظة إلا بحماية الميليشيا المتحكمة بعهده، فلم يسقط عنها الشرعية ولا السلاح، مختاراً بدفع عهده نحو السقوط والهاوية معتمداً سياسة المواربة والتضليل، واللعب على الحبال الدولية من جهة والداخلية من جهة أخرى.
فبعد قرار سحب أوراق الاعتماد من السفير الإيراني الجديد في لبنان، من قبل وزير الخارجية يوسف رجي بالتكافل والتضامن مع رئيسي الجمهورية والحكومة، عون اليوم تحت المجهر، إذ أنه صاحب الصلاحية في طلب مغادرة السفير الإيراني (أو القائم بالأعمال)، قانوناً.
وعليه، إن أي تراجع عن قرار الطرد الدبلوماسي يندرج ضمن مسؤوليته المباشرة، وبخاصة بعد الحديث عن تمرد برّي وبالتالي السفير الإيراني على قرار الدولة. فالتاريخ لن يتساهل في الحكم إذا تراجع عون عن صَون هذه السيادة. فهل يفعلها؟
هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )
المصدر : Transparency News








