بين الهزيمة والنصر… لا تُحسم المعارك دائماً بالقوة بل بالصمود… تلك القوة التي لا تُقاس والعزيمة التي تُربك الحسابات
26-03-2026 03:39 PM GMT+02:00
في الحروب، تبدو النتائج أحياناً محسومة قبل أن تبدأ. تفوق عسكري واضح، إمكانات غير متكافئة، وحسابات على الورق تشير إلى نهاية سريعة. لكن الواقع غالباً ما يثبت أن هذه الحسابات تتجاهل عاملاً أساسياً لا يُقاس بالأرقام: الصمود. فالصمود ليس تفصيلاً في المعركة، بل هو ما يعيد تعريفها، ويجعل الطرف الأضعف قادراً على الاستمرار، لا لتحقيق نصر تقليدي، بل لمنع الهزيمة الكاملة وفرض واقع مختلف عمّا كان مرسوماً.
إذا رجعنا إلى تجارب موثّقة في التاريخ، من حرب فيتنام إلى حرب الجزائر وصولاً إلى الحرب السوفيتية في أفغانستان، نجد نمطاً يتكرر. قوى كبرى دخلت هذه الحروب بثقة الحسم، مستندة إلى تفوق عسكري وتقني واضح، لكنها اصطدمت بواقع مختلف على الأرض. في فيتنام، لم تُهزم الولايات المتحدة في معركة فاصلة، لكنها عجزت عن إنهاء الحرب واستُنزفت حتى قررت الانسحاب. وفي الجزائر، لم تستطع فرنسا، رغم تفوقها، كسر إرادة الصمود، فانتهت الحرب باستقلال البلاد.
أما في أفغانستان، فقد واجه الاتحاد السوفيتي المصير نفسه، حيث تحوّل التفوق العسكري إلى عبء في مواجهة حرب طويلة بلا حسم. ما يجمع هذه التجارب ليس انتصاراً عسكرياً تقليدياً للطرف الأضعف، بل قدرة الصمود على تحويل الزمن إلى عنصر ضغط، وإرباك الحسابات، وفرض واقع جديد على الخصم.
هذا الواقع لا يبدو بعيداً عمّا يجري اليوم في جنوب لبنان. لا توازن فعلياً في القوة، ولا مقارنة بين الإمكانات، ومع ذلك تستمر المعارك. ليس لأن النتيجة مضمونة، بل لأن من يقاتل يعرف الأرض التي يقف عليها، ويدرك تفاصيلها، ويعي أن هذه المواجهة مرتبطة بوجوده نفسه. هنا تتغيّر طبيعة المعركة؛ فهي لم تعد مجرد مواجهة بين قوتين، بل اختبار لقدرة طرف على الصمود في وجه تفوق واضح، وتحويل هذا الصمود إلى عامل ضغط يعيد تشكيل المعادلة على الأرض.
لكن الصمود بحد ذاته ليس نهاية الطريق، بل هو مرحلة تفرض نفسها حين يعجز الحسم، وتفتح في الوقت نفسه باب الأسئلة الأصعب، وهي أسئلة وهواجس لبنانية بامتياز: ماذا بعد؟ ماذا عن السلاح في الداخل؟ هل يمكن أن يتحوّل من أداة مواجهة خارجية إلى عامل تهديد داخلي؟ ماذا عن المناطق التي دُمّرت، وعن أهلها، وعن احتمال تغيّر الواقع الديموغرافي؟ ومن يضمن ألّا تُفرض معادلات جديدة على اللبنانيين بقوة الأمر الواقع؟
هذه ليست أسئلة نظرية، بل هواجس حقيقية لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، بعضها محقّ، وبعضها ناتج عن خوف متراكم من تجارب سابقة. لكن في المقابل، لا يمكن القفز إلى الاستنتاجات أو بناء سيناريوهات نهائية قبل أوانها. لبنان مرّ بأزمات أكبر، وخرج منها، ولو بكلفة عالية. لذلك، يبقى الأخطر ليس ما حصل، بل ما قد يحصل إذا تُرك الداخل ينزلق إلى صراع جديد.
هنا تحديداً تكمن نقطة التحذير: لا أحد سيساعد لبنان إذا انفجر من الداخل. لا إسرائيل، ولا الولايات المتحدة، ولا أي طرف خارجي معني فعلياً بإنقاذ اللبنانيين من أنفسهم. على العكس، تاريخ المنطقة يقول إن بقاء لبنان ساحة صراع يخدم الكثيرين. لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحصل هو أن يتحوّل الخلاف السياسي إلى مواجهة داخلية، أو أن يُعاد توجيه الصراع إلى الداخل اللبناني.
في النهاية، لبنان لا يُقسَّم ولا يُبنى على حساب أحد. الصمود في الميدان يفرض نفسه كحقيقة لا يمكن تجاهلها، لكن ما بعد الصمود هو الاختبار الأصعب: كيف يتحوّل هذا الواقع إلى مدخل لحل، لا إلى شرارة أزمة جديدة؟ وكيف يمكن للبنانيين، رغم كل تناقضاتهم، أن يتوحدوا حول فكرة واحدة: حماية هذا البلد؟
الجواب لا يكون بالشعارات، بل بقرار واضح بأن السلاح لا يكون إلا تحت سقف الدولة، وأن الدولة وحدها يجب أن تكون قادرة على أخذ زمام الأمور. لأن البديل واضح وخطير: بلد مفتوح على صراعات لا تنتهي.
في المحصلة، قد يغيّر الصمود نتائج المعارك، لكن ما يحمي الأوطان ليس الصمود وحده، بل القدرة على تحويله إلى استقرار. ولبنان، بكل تناقضاته، يبقى أكبر من أن يُقسَّم، وأصغر من أن يحتمل مغامرة جديدة.
هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )
المصدر : Transparency News








