يتوزع الحراك الرسمي في لبنان بين المساعي الدبلوماسية لوقف التصعيد العسكري، ومتابعة تداعيات النزوح الداخلي، في وقت تواجه الحكومة تحديات سياسية متصاعدة على خلفية مقاطعة وزراء "الثنائي الشيعي" لجلسة مجلس الوزراء الأخيرة.


ينقسم التحرك الرسمي في ملف الحرب إلى مسارين متوازيين: الأول دبلوماسي يهدف إلى خفض التصعيد، والثاني إنساني يركّز على متابعة أوضاع النازحين وتأمين إيوائهم عبر الوزارات المختصة، بالتعاون مع الجمعيات وهيئات الإغاثة والبلديات.

وفي هذا الإطار، يقود رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام سلسلة اتصالات سياسية ودبلوماسية تهدف إلى وقف التصعيد والتصدي لخروقات السيادة، مع التأكيد على رفض تحويل لبنان إلى ساحة صراع إقليمي.

ورغم تماسك الحكومة نسبيًا بعد إقرار قرارات حصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش تنفيذها، برز اعتراض وزراء "الثنائي الشيعي" على عدد من التوجهات السيادية، وكان آخرها مقاطعة جلسة مجلس الوزراء على خلفية قرار طرد السفير الإيراني، وهو قرار لم يكن مفاجئًا في ظل مؤشرات مسبقة على اتخاذه سياسيًا.

ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول مدى تأثر استقرار الحكومة، وما إذا كان الأمر يندرج ضمن تسجيل موقف سياسي أو مقدمة لتطورات أكبر، بما في ذلك احتمال إجراء تعديل وزاري.

تاريخيًا، شكّلت اعتراضات وزراء "الثنائي الشيعي" محطات مفصلية في عمل الحكومات، أبرزها في عام 2011 مع إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري على خلفية المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وكذلك في عام 2021 خلال حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، حين أدت مقاطعة جلسات الحكومة اعتراضًا على أداء المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار إلى شلل حكومي استمر لأشهر. كما شملت الاعتراضات ملفات التعيينات والعلاقات الخارجية وسلاح "حزب الله"، وتراوحت بين التحفظات وتعطيل القرارات والتهديد بالمقاطعة.

وبعد انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة نواف سلام التي ضمّت وزراء مقربين من "الثنائي"، بدا المشهد مختلفًا، إذ لم تصل الاعتراضات إلى حد الاستقالة. أما المقاطعة الحالية، باستثناء مشاركة الوزير فادي مكي، فلا يُتوقع أن تؤدي بالضرورة إلى اهتزاز الحكومة أو سقوطها، وفق ما تؤكد مصادر سياسية مطلعة.

وتشير المصادر إلى أن ما جرى لن يؤدي إلى تفكك الحكومة، ما لم تظهر تداعيات إضافية، لافتة إلى أن الملف سيُعالج عبر الاتصالات السياسية لتفادي الانقسام، خصوصًا أن قرار طرد السفير الإيراني يصعب التراجع عنه، كما أن التراجع أو عدمه سيبقي الباب مفتوحًا أمام ردود الفعل السياسية.

وتضيف المصادر أن الحكومة لا تواجه خطر التعطيل في الوقت الراهن، ولا يوجد ما يُعرف بـ"الثلث المعطل"، وأن الاستقالة تبقى الخيار الأخير للوزراء المعترضين، إلا في حال صدور قرار سياسي مختلف قد يدفعهم إلى خطوات تصعيدية، بما فيها تحريك الشارع، وهو سيناريو لا يزال غير محسوم.

في المقابل، تواجه الحكومة تحديات متزايدة على صعيد ملف النازحين، في ظل معطيات تشير إلى احتمال استمرار الحرب لفترة طويلة، ما قد يؤثر على حجم المساعدات المقدمة، والتي تأتي حاليًا من جهات دولية مثل اليونيسف، إضافة إلى مجلس الجنوب وبعض الدول الأوروبية، وسط مخاوف من تراجع الدعم، لا سيما في ظل انشغال الدول الخليجية بأوضاعها الداخلية.

وتؤكد المصادر أن رئيس الحكومة يسعى إلى تفادي أي أزمة حكومية، مشيرة إلى أن حضور الوزراء الشيعة كان قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع وزراء "القوات اللبنانية" حول قرار طرد السفير، ما يعكس حساسية المرحلة.

ومع ترجيح عودة وزراء "الثنائي الشيعي" إلى جلسات الحكومة المقبلة، تبقى تداعيات المقاطعة الحالية مفتوحة على احتمالات متعددة، وسط تساؤلات حول مواقفهم المستقبلية من القرارات الحكومية المرتبطة بالسيادة والحياد ومصلحة البلاد.


المصدر : وكالات