بعد عامٍ كامل على تولّي حاكم مصرف لبنان كريم سعيد مهامه، لم يعد ممكناً تقييم تجربته بالمعايير التقليدية التي حكمت أداء المصرف المركزي في العقود السابقة. فالسنة الأولى من ولايته لم تكن سنة إدارة نقدية عادية، بل كانت محاولة تأسيس نموذج مختلف جذرياً لدور المصرف المركزي في دولة انهار نظامها المالي وتفككت مؤسساتها، وسط مقاومة شرسة من منظومة سياسية–مالية اعتادت استخدام مصرف لبنان كأداة تمويل غير شرعية للدولة ولشبكات النفوذ.


من هذه الزاوية تحديداً، يمكن قراءة الخطوات التي اتخذها سعيد خلال عامه الأول بوصفها محاولة لإعادة تعريف وظيفة مصرف لبنان: من مصرف يموّل الانهيار، إلى مؤسسة تحاول وقف النزيف.

أولى هذه الخطوات تمثّلت في بناء بنية تنظيمية تهدف إلى عزل الأموال غير المشروعة عن النظام المالي اللبناني، بالتعاون مع شركة K2 Integrity والمصارف وشركات الصرافة. هذه الخطوة ليست تقنية فحسب، بل سياسية بامتياز، لأنها تستهدف أحد أعمدة الاقتصاد الموازي الذي نشأ بعد 2019، والذي أصبح يشكّل شبكة تمويل موازية خارج رقابة الدولة.

وفي السياق نفسه، جاء التعميم 170 ليشكّل نقطة تحوّل مفصلية، إذ منع المصارف والمؤسسات المالية من التعامل مع أي جهة خاضعة لعقوبات دولية، بما فيها “القرض الحسن”. هذا التعميم لم يكن إجراءً مصرفياً عادياً، بل إعلاناً واضحاً بأن مصرف لبنان لن يبقى مظلة للنظام المالي الموازي الذي نشأ خارج الشرعية النقدية.

أما التعميم 69، الذي نظّم عمل شركات تحويل الأموال، فقد استهدف أحد أبرز منافذ التدفقات النقدية غير المضبوطة، والتي تحوّلت خلال السنوات الماضية إلى قناة بديلة عن القطاع المصرفي الرسمي. إعادة تنظيم هذا القطاع تعني عملياً إعادة جزء من السيادة النقدية إلى الدولة.

وفي خطوة لا تقل أهمية، صدر التعميم 168 الذي منع تمييز المودعين المقيمين خارج لبنان عبر إعطائهم أفضلية قضائية في استعادة ودائعهم على حساب المقيمين. هذا القرار أعاد تثبيت مبدأ العدالة بين المودعين، في لحظة كان النظام المصرفي مهدداً بالتفكك الكامل تحت ضغط الدعاوى الخارجية.

لكن الإنجاز الأكثر حساسية كان إعداد إطار إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وهو أول تصور رسمي متكامل لمعالجة الأزمة المالية منذ 2019. هذا الإطار لم يبق حبراً على ورق، بل تحوّل إلى أساس تشريعي اعتمدته الحكومة في مشروع القانون المرفوع إلى مجلس النواب. بمعنى آخر، للمرة الأولى منذ الانهيار، أصبح لدى الدولة اللبنانية تصور فعلي لإعادة بناء القطاع المصرفي.

وفي موازاة ذلك، أطلق مصرف لبنان طلب عروض لتعيين مستشارين لإجراء تدقيق جنائي شامل في الأموال التي استُخدمت بين 2019 و2023، ولا سيما في برنامج دعم الاستيراد الذي استنزف أكثر من 8 مليارات دولار. هذه الخطوة تشكّل محاولة جدية لتحديد المسؤوليات في واحدة من أكبر عمليات استنزاف الاحتياطات في تاريخ لبنان.

كما تقدّم المصرف المركزي بمطالبات  مالية  لدى الدولة اللبنانية بقيمة تصل إلى 16.5 مليار دولار لتأمين السيولة اللازمة لسداد مستحقات المصارف والمودعين. هذه الخطوة تعكس تحوّلا ايجابياً  في العلاقة بين مصرف لبنان والدولةإذ لم يعد المصرف المركزي ممولاً تلقائياً للدولة، بل جهة تطالبها بتحمّل مسؤولياتها.

وفي سياق استعادة الأموال المنهوبة، تعاون مصرف لبنان مع السلطات القضائية الفرنسية في ملفات اختلاس تتجاوز 500 مليون دولار مرتبطة بالحاكم السابق رياض سلامة، كما أطلق دعاوى داخلية إضافية بتهم الإثراء غير المشروع وتحويل الأموال، إضافة إلى دعوى ضد شركة CITEX الخاضعة للعقوبات الأميركية. والأهم أن المصرف المركزي بدأ إعداد ملفات جديدة لملاحقة مسؤولين مصرفيين سابقين في قضايا اختلاس إضافية.

لكن ما يميّز تجربة سعيد لا يقتصر على هذه الإجراءات القانونية والتنظيمية، بل يظهر أيضاً في التحوّل العقائدي في السياسة النقدية. فمصرف لبنان أعلن بوضوح رفضه العودة إلى سياسات الدفاع المصطنع عن سعر الصرف عبر استنزاف الاحتياطات، وهي السياسات التي أدت عملياً إلى تبديد ما تبقى من أموال المودعين.

كما رفض المصرف إعادة إطلاق برامج دعم الاستيراد الممولة من الاحتياطات، والتي وصفها International Monetary Fund سابقاً بأنها نموذج لسياسات مكلفة وغير فعالة. كذلك تعهّد بعدم تمويل الدولة عبر أدوات شبه مالية تؤدي إلى توسّع الكتلة النقدية، انسجاماً مع توصيات Bank for International Settlements حول استقلالية المصارف المركزية في بيئات الأزمات.

هذه المواقف ليست تقنية فحسب، بل تمثل انقلاباً كاملاً على النموذج الذي حكم مصرف لبنان منذ التسعينيات.

ومع ذلك، فإن كثيراً من هذه الإجراءات لم تتحول بعد إلى نتائج ملموسة على الأرض، ليس بسبب ضعف في التصميم أو التنفيذ، بل نتيجة مقاومة بنيوية من داخل الدولة نفسها. فإعادة هيكلة المصارف تعني إعادة توزيع الخسائر، وهذا ما ترفضه القوى السياسية المرتبطة بالنظام المصرفي القديم. وتنظيم الاقتصاد الموازي يعني ضرب شبكات تمويل سياسية قائمة منذ سنوات. وملاحقة الأموال المنهوبة تعني فتح ملفات حساسة تطاول شخصيات نافذة.

بكلام آخر، المشكلة ليست في غياب خطة، بل في وجود منظومة كاملة مستفيدة من غيابها.

لهذا السبب تحديداً، يمكن القول إن السنة الأولى من ولاية كريم سعيد لم تكن سنة إصلاح مكتمل، بل سنة كسر قواعد اللعبة القديمة. وإذا كان من المبكر الحكم على نتائج هذا المسار، فإن المؤكد أن مصرف لبنان بدأ للمرة الأولى منذ عقود يتصرف كمصرف مركزي، لا كصندوق تمويل للسلطة السياسية.


المصدر : Transparency News