يتصاعد المشهد الأمني في جنوب لبنان وسط استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وعجز رسمي عن احتواء التصعيد، في وقت تتمسك قرى حدودية بالصمود رغم المخاطر. بالتوازي، تتكثف التحذيرات الدولية من توسع المواجهة، وسط حراك دبلوماسي محدود تقوده فرنسا في محاولة لمنع انزلاق الأوضاع نحو مزيد من التصعيد.


لا يلوح في الأفق القريب أي مؤشر على تراجع التصعيد، إذ تظل لغة الحرب هي السائدة، في ظل عجز الدولة اللبنانية حتى الآن عن ضبط الوضع الأمني ووقف ما يُوصف بمغامرات مجموعات خارجة عن القانون، بينما تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية التي تقول إنها تهدف إلى القضاء على "حزب الله" وإبعاد خطره عن حدودها الشمالية.

وفي موازاة ذلك، وبينما يدعو وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى احترام القوانين الدولية، تتواصل أزمة السفير الإيراني في لبنان، مع تمسك سفارة "الحرس الثوري" برفض قرار الدولة اللبنانية القاضي بطرد السفير محمد رضا شيباني.

وسط هذا المشهد المتأزم، اتخذت القرى المسيحية الواقعة في الشريط الحدودي موقفًا لافتًا، إذ اختار أهالي بلدات دبل وعين إبل ورميش البقاء في أرضهم رغم الظروف الأمنية، متجاوزين قرارات الانسحاب أو إعادة انتشار القوى الأمنية والعسكرية. ويُنظر إلى هذا الموقف على أنه رسالة ضغط معنوية على السلطة السياسية، في محاولة لدفعها إلى اتخاذ مواقف أكثر حسمًا.

وفي هذا السياق، أشار مصدر سياسي متابع إلى أن موقف الأهالي أعاد إلى الأذهان ما شهدته المنطقة خلال مرحلة "اتفاق القاهرة" عام 1969، التي مهّدت لاحقًا لاندلاع حرب عام 1975، حين انسحبت الدولة من الجنوب وترك السكان، ولا سيما المسيحيين، لمصيرهم. واعتبر المصدر أن هذه القرى تمثل نموذجًا للانتماء الوطني، مشددًا على أن حملات التخوين التي تطالها تعكس إفلاس مطلقيها.

في المقابل، كشف مرجع كنسي لصحيفة "نداء الوطن" عن تحركات سياسية ودبلوماسية مكثفة تقودها الكنيسة بالتنسيق مع الدولة، بهدف تأمين الحماية للقرى الصامدة في الجنوب، وضمان استمرار تواصلها مع الداخل اللبناني عبر "شريان حياة" يتيح إيصال المساعدات وتعزيز مقومات الصمود. وأكد المرجع أهمية الحفاظ على هذه القرى باعتبارها تمثل ما تبقى من حضور الدولة اللبنانية في الجنوب.

ميدانيًا، تواصلت الغارات الإسرائيلية التي طالت مناطق في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، ووصلت إلى المنصورية، مع تسجيل عمليات قصف وإحراق وهدم منازل في مناطق حدودية، بينها وطى الخيام وعين عرب.

وفي هذا السياق، أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أن بلاده تعمل على إنشاء "أحزمة أمنية واسعة" في جنوب لبنان، مشيرًا إلى أن العمليات تهدف إلى "تطهير قرى الإرهاب"، ومؤكدًا أن أي وقف لإطلاق النار في لبنان سيكون قرارًا إسرائيليًا مستقلًا، حتى في حال التوصل إلى هدنة مع إيران. كما أشار إلى توجيهاته بتجنب إدخال الجنود إلى المنازل واستخدام وسائل قتالية تقلل الخسائر البشرية.

من جهته، أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الجيش سينتشر حتى نهر الليطاني، مشددًا على إقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان ومنع عودة مئات الآلاف من السكان الذين تم إجلاؤهم إلى هذه المنطقة بعد انتهاء العمليات. وأضاف أن إسرائيل تعتزم هدم المنازل القريبة من الحدود، والعمل على فصل لبنان عن النفوذ الإيراني، وإحداث تغيير جذري في الواقع الأمني، مشيرًا إلى أن النموذج المعتمد سيكون مشابهًا لما هو قائم في سوريا وقطاع غزة.

بالتوازي، أوضح الجيش الإسرائيلي أن هدف العمليات يتمثل في السيطرة على المرتفعات لمنع إطلاق النار نحو إسرائيل، مؤكدًا أن الغاية ليست تدمير القرى بالكامل، بل استهداف البنى التحتية التابعة لـ"حزب الله"، مع نفي وجود نية لإعادة إنشاء الحزام الأمني.

على الصعيد الدبلوماسي، يسعى لبنان إلى إيجاد مخرج سياسي للأزمة، إلا أن الحراك الدولي يبدو محدودًا، إذ يقتصر بشكل أساسي على جهود فرنسية، في ظل غياب تحرك أميركي فاعل. وكشفت مصادر أن باريس نقلت تحذيرات جدية إلى بيروت من تفاقم الوضع الميداني، مع مخاوف من توسع العمليات البرية وامتدادها زمنياً وجغرافياً.

وفي هذا الإطار، زارت الوزيرة المفوضة للجيوش الفرنسية أليس روفو لبنان، مؤكدة دعم بلادها لسيادة لبنان واستمرار التزامها، خصوصًا في إطار قوات "اليونيفيل" العاملة منذ عام 1978.


المصدر : نداء الوطن