ما نشهده اليوم لم يعد مجرد خطاب سياسي متشنّج، بل انزلاق خطير نحو منطق الترهيب المنظّم الذي يضع لبنان أمام واقع بالغ الخطورة.


حزب الله، الذي يتصرّف كقوة خارجة عن القانون وخارج إطار الدولة، يواصل تجاوز كل الخطوط الحمر، ليس فقط عبر سلاحه غير الشرعي، بل أيضًا عبر فرض مناخ من التخوين والتحريض يطال كل من يطالب بقيام الدولة.


المسألة لم تعد مجرّد اختلاف في وجهات النظر، بل تحوّلت إلى سياسة ممنهجة: كل صوت يطالب بحصر السلاح بيد الدولة، أو بفرض سيادة القانون، يُستهدف بحملات منظمة تقودها أبواق هذا المشروع. وما يحصل اليوم مع النائب وضّاح صادق دليل صارخ، إذ وصلت الحملة عليه إلى مستويات غير مسبوقة من التحريض، مع انتشار دعوات خطيرة لهدر دمه، فقط لأنه يطالب بدولة تحكمها المؤسسات لا الميليشيات.
وضّاح صادق، المعروف بجرأته ومواقفه الواضحة، لم يبدّل خطابه منذ دخوله الندوة البرلمانية. هو من القلائل الذين واجهوا هذا المسار بشكل مباشر، ورفعوا الصوت بوجه مشروع أوصل لبنان إلى ما وصل إليه اليوم. لم يساوم، ولم يخفف لهجته، بل كان في مقدّمة النواب الذين تصدّوا لواقع فرضته قوة السلاح خارج الدولة، وطرح بوضوح أن لا قيام للبنان إلا بدولة واحدة تحتكر القرار والسيادة.


ما يتعرّض له اليوم ليس سوى امتداد طبيعي لهذا المسار. فكل من يواجه هذا النهج، يصبح هدفًا. لكن الخطورة أن الاستهداف لم يعد يقتصر على التخوين، بل تخطّاه إلى التحريض المباشر، في محاولة واضحة لترهيب كل من يفكر برفع الصوت. وهذا ما يعكس طبيعة هذا المشروع الذي لا يحتمل أي معارضة، ويواجهها دائمًا بالإقصاء والضغط.
ولا يقتصر الأمر على وضّاح صادق وحده. خلال الفترة الماضية، شهدنا حملات مشابهة ضد رئيس الحكومة نواف سلام، وضد عدد من النواب والمسؤولين، وكلهم يجتمعون عند نقطة واحدة: المطالبة بقيام دولة فعلية تمارس سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية. في المقابل، يواجههم منطق أحادي يرفض أي شراكة، ويتعامل مع الدولة كخصم لا كمرجعية.


اليوم، لبنان يدفع ثمن هذه الخيارات. ثمن نهج لم يعترف يومًا بالدولة، وتصرف بمنطق أحادي تجاه كل من يعارضه، ما أدى إلى تآكل المؤسسات، وانهيار الاقتصاد، وتراجع موقع لبنان على كل المستويات. ومع ذلك، بدل أي مراجعة، يتم التمسّك بهذا المسار، ومهاجمة كل من يطالب بتصحيحه.
الأخطر أن خطاب التحريض وهدر الدم بدأ يتحوّل إلى جزء من المشهد اليومي، سواء على منصات التواصل أو عبر بعض المنابر الإعلامية، ما يهدد السلم الأهلي بشكل مباشر. فحين يصبح التهديد وسيلة لإدارة الخلاف السياسي، نكون أمام مرحلة خطيرة تتجاوز السياسة إلى ضرب أسس العيش المشترك.


المعركة اليوم لم تعد فقط حول سلاح أو خيار سياسي، بل حول مستقبل لبنان نفسه. بين دولة تُحكم بالدستور والقانون، وبين واقع يُفرض بقوة السلاح والتخوين والترهيب. وفي هذا السياق، ما يتعرّض له وضّاح صادق ليس قضية فردية، بل اختبار حقيقي لقدرة اللبنانيين على الدفاع عن فكرة الدولة في وجه مشروع لا يزال يصرّ على وضع نفسه فوقها.


المصدر : Transparency News