داني كرشي


لم يكن ليل عين سعادة عادياً.

 في لحظةٍ خاطفة، اخترق صوت الغارة الإسرائيلية سكون الأحياء، ليحوّل منازل آمنة إلى مسرحٍ للفاجعة. وبين الروايات العسكرية والتبريرات الأمنية، سقط ضحيتان من لحم هذا الوطن: بيار معوض وزوجته 
فلافيا مراد. لم يكونا هدفاً، بل كانا ضحيةً مباشرة لحربٍ تتسلّل إلى قلب البيوت.

الجيش الإسرائيلي زعم أن الغارة استهدفت عنصراً إيرانياً من "فيلق فلسطين" التابع لـ"فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني. لكن النتيجة كانت مختلفة تماماً: مدنيون أبرياء دفعوا الثمن، مرةً جديدة، نتيجة تحويل الأحياء السكنية إلى ساحات تصفية حسابات إقليمية.

بيار معوض لم يكن مجرد اسم يُضاف إلى لائحة الضحايا. كان أباً حنوناً، أخاً سنداً، وصديقاً لا يُعوّض. من يحشوش إلى برج حمود – حارة صادر، ترك خلفه أثراً لا يُمحى. كل من عرفه، يعرف ابتسامته التي لا تفارق وجهه، روحه المرحة، وحضوره الذي يسبق اسمه أينما حلّ. كان يحب الحياة… فاغتالته حرب لا تشبهه.

حتى اللحظة، لا يزال وقع الصدمة يخيّم على المتن وكسروان. الغضب يتصاعد، والناس تتساءل: إلى متى؟ إلى متى يُترك المدنيون رهائن لصراعات لا يريدونها؟ وإلى متى تبقى الأحياء السكنية مكشوفة أمام اختراقات أمنية خطيرة؟

ما حدث في عين سعادة ليس حادثاً معزولاً، بل نتيجة مسارٍ خطير يتمثل بتغلغل عناصر مرتبطة بالمشروع الإيراني داخل مناطق مدنية، بعيداً عن أي رقابة فعلية، وفي تحدٍ واضح لإرادة شريحة واسعة من اللبنانيين الرافضين للحرب ولأي سلاح خارج إطار الدولة.
المطالب اليوم ترتفع بوضوح: تنظيم وجود النازحين ضمن مراكز إيواء خاضعة لإشراف الأجهزة الأمنية، ومنع استغلال المناطق السكنية لأي نشاط عسكري أو أمني قد يعرّض المدنيين للخطر. فالأمن ليس شعاراً، بل مسؤولية.


لقد أثبتت التجارب أن استمرار هذا الواقع يفتح الباب أمام المزيد من الدم. الجنوب دفع الثمن لأشهر طويلة من القصف والدمار، واليوم يمتد الخطر إلى قلب المناطق الآهلة. وما لم يُتخذ موقف وطني حاسم، فإن الدائرة ستتّسع أكثر.

لم يعد مقبولاً أن يُجرّ لبنان إلى حربٍ لا يريدها شعبه. ولم يعد ممكناً السكوت عن واقعٍ يضع المدنيين دروعاً بشرية لصراعات الآخرين. ما حصل ليس قدراً، بل نتيجة خيارات يجب مواجهتها.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يقف اللبنانيون أمام لحظة مفصلية: إما التمسك بالدولة كمرجعية وحيدة للسلاح والقرار، أو الاستمرار في الانزلاق نحو المجهول.

دم بيار وفلافيا ليس تفصيلاً. هو صرخة في وجه وطنٍ يُستنزف… ورسالة بأن الحياة في لبنان لم تعد تحتمل المزيد من الحروب.

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )


المصدر : Transparency News