الباحث الكاتب طارق أبو زينب


 في مشهد إقليمي يزداد احتقانًا، لم يعد التصعيد الذي تقوده إيران قابلًا للتوصيف كأزمة عابرة أو توتر قابل للاحتواء، بل بات سلوكًا ممنهجًا يقوم على تصدير الفوضى وفرض الوقائع بالقوة. وبينما تتقاطع حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل، تتقدّم طهران بمقاربة تصعيدية لا تترك هامشًا للتهدئة، مع استمرار استهداف منشآت حيوية ومواقع مدنية في الخليج والأردن. في قلب هذا المشهد، تقف الإمارات العربية المتحدة أمام لحظة مفصلية: إما كسر منطق الفوضى أو تركه يتمدد .
ما تمارسه طهران ليس ردّ فعل، بل استراتيجية طويلة الأمد تقوم على محاولة تفكيك استقرار الدول عبر أدوات مباشرة وأذرع غير تقليدية. من دعم شبكات نفوذ إلى توظيف ساحات إقليمية كساحات تصفية حسابات، يترسّخ نمط واضح: إبقاء المنطقة في حالة اشتعال دائم. هذا السلوك لا يستهدف دولة بعينها، بل يضرب فكرة الدولة نفسها، ويحوّل الأمن الإقليمي إلى رهينة قرار تصعيدي مركزي.

هرمز تحت الضغط: تهديد الاقتصاد العالمي


عندما يمتد هذا التصعيد إلى مضيق هرمز، فإن الخطر يتجاوز الجغرافيا إلى الاقتصاد العالمي. هذا الممر ليس مجرد قناة عبور، بل شريان طاقة دولي، وأي محاولة لتهديده تعني إدخال الأسواق في حالة ارتباك عميق. هنا، لا يعود السلوك الإيراني تهديدًا إقليميًا فحسب، بل عاملًا مباشرًا في زعزعة الاستقرار العالمي.

خط أحمر: سيادة لا تُختبر
في مواجهة هذا المشهد، جاء موقف الإمارات حاسمًا: السيادة ليست مساحة رمادية، والأمن الوطني ليس بندًا قابلًا للمساومة. الرسالة واضحة—أي استهداف سيُقابل بردّ مدروس وحازم، ضمن إطار القانون الدولي، لكن دون تردد أو تهاون. إنها معادلة تُغلق الباب أمام أي وهم بإمكانية فرض أمر واقع بالقوة .


لم تعد الإمارات تكتفي بردّ الفعل، بل انتقلت إلى صناعة الفعل. تطوير منظومات دفاعية متقدمة، وتعزيز الجاهزية الاستخباراتية، ورفع مستوى الاستجابة السريعة—كلها مؤشرات على تحوّل نوعي في العقيدة الأمنية. الهدف لم يعد فقط صدّ التهديد، بل منعه قبل أن يتشكّل، وإعادة رسم قواعد الاشتباك بما يفرض كلفة عالية على أي مغامرة عدوانية .


رغم هذا الحزم، لا تنسحب الإمارات من مسار الدعوة الى التهدئة، لكنها تدخله بشروط واضحة. الحوار ليس غطاءً للتصعيد، والانفتاح ليس ثغرة للاستغلال. إنها دبلوماسية واقعية تدير التوتر دون أن تبرّره، وتفتح القنوات دون أن تمنح خصومها مساحة للمناورة على حساب الأمن .

الحرب الصامتة: الجبهة السيبرانية


في موازاة الميدان التقليدي، تتصاعد الهجمات الرقمية كأداة تخريب غير مرئية، وغالبًا ما ترتبط باستراتيجيات الضغط الإيرانية. إلا أن الإمارات حوّلت هذا التحدي إلى مجال تفوق، عبر بناء بنية سيبرانية متقدمة قادرة على الرصد المبكر والاستجابة الفورية، ما يجعل الفضاء الرقمي خط دفاع إضافي لا نقطة ضعف.

الاقتصاد: خط الدفاع الأول


قوة الإمارات لا تُختصر في السلاح، بل تمتد إلى اقتصاد متماسك يشكّل درعًا استراتيجيًا. فالدولة التي رسّخت مكانتها كمركز عالمي للأعمال تدرك أن استهداف الأمن هو أيضًا استهداف للثقة. لذلك، تُدار المعركة على جبهتين: حماية الأرض، وتحـصين السوق—بما يضمن بقاء الاستقرار عامل جذب لا نقطة هشاشة.

معادلة تُفرض بالقوة الواعية


في مواجهة مشروع تصعيدي تقوده إيران، لا تنتظر الإمارات ما سيحدث، بل تبادر لصياغته. إنها لا تتعامل مع التهديد كحدث طارئ، بل كمسار يجب كسره. وبينما تراهن طهران على الفوضى، تفرض الإمارات معادلة مضادة: سيادة لا تُمس، وردع لا يُختبر، واستقرار يُحمى بالقوة… لا بالشعارات.

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )


المصدر : Transparency News