زياد العجوز رئيس المؤتمر اللبناني العربي


لم تعد الاعتداءات الإيرانية المتكررة على دول مجلس التعاون الخليجي أحداثًا عابرة يمكن إدراجها في سياق التوترات التقليدية في المنطقة، بل أصبحت تعبيرًا واضحًا عن نهج عدائي متجذر يحكم سلوك هذا النظام تجاه الدول العربية. ما نشهده اليوم ليس مجرد تصعيد مرحلي، بل هو امتداد لمخطط أمني وعسكري طويل الأمد استهدف أمن الخليج واستقرار العالم العربي بأسره، عبر أدوات مباشرة وأخرى بالوكالة.

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح اليوم: ماذا لو امتلك هذا النظام منظومة سلاح نووي في ظل هذه السياسات العدوانية القائمة أصلًا؟ أي شرق أوسط كان يمكن أن نواجه؟ وأي توازنات كانت ستنهار؟ إن مجرد طرح هذا السؤال يكفي لإدراك حجم الخطر الذي كان يتهدد المنطقة، ويؤكد أن المواجهة الحالية لم تكن خيارًا، بل ضرورة لحماية الأمن العربي.

في المقابل، أثبتت القوات المسلحة الخليجية مستوى متقدمًا من الجهوزية والاحتراف والشجاعة في التصدي لهذا العدوان، ونجحت في تثبيت معادلة ردع واضحة تؤكد أن الخليج لم يعد ساحة مستباحة لأي مشروع توسعي. لقد سقطت رهانات كثيرة أمام صلابة الموقف الخليجي، وتأكد مرة جديدة أن الإرهاب الإيراني يتكسّر على صخرة الخليج العربي.

ولا يقل أهمية عن الأداء العسكري، الدور المتقدم للأجهزة الأمنية الخليجية التي أثبتت يقظة استثنائية في مواجهة الشبكات التخريبية المرتبطة بطهران وأذرعها. ويأتي نجاح الأجهزة الأمنية الكويتية في كشف خلية إرهابية مرتبطة بالنظام الإيراني و«حزب الله» نموذجًا واضحًا على قدرة هذه الدول على إحباط المخططات قبل تنفيذها، وعلى انتقال المواجهة من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة الاستباقية.

إن ما تشهده المنطقة اليوم ليس مجرد مواجهة سياسية أو أمنية محدودة، بل هو صراع حاسم مع أحد أخطر أشكال الإرهاب الدولي الذي سعى لعقود إلى زعزعة استقرار الدول العربية ونشر الفوضى داخلها عبر شبكات عسكرية وأمنية وعقائدية منظمة. هذه المواجهة ترسم ملامح مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، عنوانها إعادة التوازن إلى المعادلة الإقليمية.

ومن يقرأ التاريخ السياسي للصراعات في منطقتنا يدرك أن الصهاينة والفرس تماهوا طويلًا في عدائهما للعرب، وأن النتيجة الحتمية للصراع الجاري اليوم بدأت تتضح معالمها تدريجيًا. المنطقة تتجه نحو نهاية مرحلة الهيمنة القائمة على التدخل والتخريب، وبداية مرحلة جديدة تقوم على احترام سيادة الدول وتعزيز علاقات حسن الجوار، بما يمهّد لسلام شامل في الشرق الأوسط بقيادة دول مجلس التعاون الخليجي التي أثبتت قدرتها على إدارة الأزمات بحكمة ومسؤولية.

إن المطلوب اليوم ترسيخ معادلة إقليمية جديدة تقوم على سلام عادل وشامل يعيد الحقوق إلى أصحابها، ويضمن تحرير الأراضي العربية وجزرها، ويؤسس لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، باعتبار ذلك المدخل الحقيقي لأي استقرار دائم في المنطقة.

أما لبنان، فهو للأسف يدفع مرة جديدة ثمن صراعات الآخرين على أرضه. لقد تحوّل هذا البلد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية نتيجة اختلال القرار السيادي داخله، وهو ما يفرض العمل الجدي لاستعادة الدولة سلطتها الكاملة وحريتها الوطنية، وإعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي ضمن محيطه العربي، لا كساحة نزاع بل كجسر استقرار وتلاقي.

إن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة استعادة التوازن العربي، وترسيخ الأمن القومي، وبناء شرق أوسط جديد قائم على السيادة والاحترام المتبادل، لا على الميليشيات والفوضى والتدخلات.

 


المصدر : Transparency News