داني كرشي


رغم الحديث المتصاعد عن الاتفاق لوقف إطلاق النار، الواقع الميداني في لبنان يقول شيئًا مختلفًا تمامًا: القصف لم يتوقف، والإنذارات لا تزال تُطلق، والخوف ما زال حاضرًا. وهذا وحده كافٍ لطرح السؤال الأساسي: هل يشمل هذا الاتفاق لبنان فعلًا… أم أنه مجرد عنوان فضفاض؟

المشكلة لا تكمن فقط في غموض البنود، بل في الغموض الأخطر: التفسير. 

حين يُقال إن "وقف إطلاق النار يشمل لبنان"، لا يعني ذلك بالضرورة أن بيروت مشمولة.

 في الحسابات العسكرية، هناك فرق كبير بين: وقف شامل لكل العمليات على الأراضي اللبنانية

أو وقف محدود يستثني ما يُعتبر "أهدافًا مشروعة" وهنا تحديدًا تكمن الثغرة.

إسرائيل، التي دعمت المسار الأميركي سياسيًا، لم تلتزم عمليًا بوقف عملياتها داخل لبنان حتى اللحظة. وهذا ليس تفصيلًا تقنيًا، بل إشارة واضحة إلى أن ما يجري ليس وقفًا للحرب، بل إعادة تعريف لها.

 بمعنى آخر: قد يتوقف القصف الواسع، لكن الضربات "الانتقائية" تستمر تحت عناوين أمنية.

هذا يفسّر لماذا لم تتوقف الإنذارات، ولماذا لا يشعر اللبنانيون بأي تغيير حقيقي. لأن الاتفاق، بصيغته الحالية، يسمح لكل طرف بأن يقول: "أنا ملتزم"… بينما يواصل عملياته بشكل مختلف.

أما على مستوى بيروت، فالصورة أكثر تعقيدًا. لا يوجد حتى الآن أي تأكيد صريح أن العاصمة خارج بنك الأهداف. وكل ما يُتداول هو ضمنيًا أو مشروطًا. وهذا يعني أن بيروت ليست محمية بالكامل لكنها أيضًا ليست مستهدفة بشكل دائم بل تقع في منطقة رمادية خطيرة قابلة للاستهداف عند أي تصعيد، وهذا النوع من "الردع غير المستقر" هو الأخطر، لأنه يجعل كل لحظة قابلة للانفجار دون إنذار سياسي واضح.

الشق الآخر من التحليل يرتبط بطبيعة الاتفاق نفسه. ما يجري ليس اتفاقًا نهائيًا، بل أقرب إلى تفاهم مؤقت لتفادي مواجهة أكبر. الولايات المتحدة تريد تهدئة مرتبطة بالملاحة والطاقة، إيران تريد مكاسب سياسية واقتصادية، وإسرائيل تريد الحفاظ على حرية الحركة العسكرية.

وفي هذه المعادلة، لبنان ليس طرفًا مفاوضًا… بل ساحة.

لذلك، يصبح السؤال الأدق ليس، هل هناك وقف إطلاق نار؟، بل أي نوع من وقف إطلاق النار؟ ولمن؟ وأين يبدأ وأين ينتهي؟

حتى الآن، الجواب واضح بشكل مقلق. هناك وقف إطلاق نار في الخطاب السياسي لكن لا يوجد وقف كامل للنار في الواقع الميداني وهذا يعني أننا أمام مرحلة انتقالية خطيرة، حيث التصعيد لم ينتهِ والتهدئة لم تبدأ فعليًا بل نحن في منطقة وسطى، حيث كل الأطراف تختبر حدود الآخر، وتُبقي أصابعها على الزناد.

الخلاصة القاسية.. ما يُقدَّم اليوم على أنه "نهاية محتملة للحرب"، قد يكون في الحقيقة مجرد استراحة تكتيكية.

أما بالنسبة للبنان، فالحرب لم تتوقف… بل أصبحت أقل وضوحًا وأكثر خطورة.


المصدر : Transparency News