داني كرشي


لم يكن يومًا عابرًا في ذاكرة اللبنانيين.
كان يومًا ثقيلًا، قاسيًا، يُشبه الانكسار أكثر مما يُشبه الحرب.
قرابة 200 ضحية، وأكثر من 900 جريح، وما يزيد عن 100 موقع مدمّر… أرقام لا تختصر المأساة، بل تكشف حجمها فقط. لأن ما لا يُقاس بالأرقام هو الألم، والخوف، ووجع الأمهات، وصوت مدينة تُقصف وتُترك وحدها.

بيروت، التي لطالما كانت مساحة للحياة، بدت في هذا “الأربعاء الأسود” كأنها تُساق إلى قدرٍ لم تختره.

شوارعها التي كانت تضجّ بالناس، امتلأت بالركام.

بيوتها التي كانت تحضن العائلات، تحوّلت إلى ذاكرة مكسورة.

ومدينة بأكملها، بدت وكأنها تدفع ثمن شيء أكبر منها بكثير.
لكن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها، أن ما جرى لم يكن مفاجئًا بالكامل.

لقد كان نتيجة مسار طويل من التراكمات، من الخيارات المؤجّلة، ومن واقع سياسي مختلّ جعل لبنان مكشوفًا أمام أي تصعيد.

حين لا تكون الدولة وحدها صاحبة القرار، وحين يوجد سلاح خارج إطارها، يتحوّل البلد تلقائيًا إلى ساحة مفتوحة. وهنا تكمن العقدة الأساسية.

وجود قوة عسكرية فاعلة خارج سلطة الدولة، وعلى رأسها حزب الله، جعل لبنان مرتبطًا بصراعات إقليمية لا يملك التحكم بها.

ومهما كانت التبريرات أو العناوين، فإن النتيجة واحدة..
حين يُتخذ قرار المواجهة خارج مؤسسات الدولة، فإن البلد كله يدفع الثمن.

وفي المقابل، لا يمكن إعفاء الدولة من المسؤولية.
الدولة التي يفترض أن تحمي، أن تقرر، أن تمنع الانزلاق… بدت في هذا المشهد عاجزة أو صامتة.

وهذا الصمت، في لحظة كهذه، ليس حيادًا… بل تقاعسٌ خطير.
بين سلاح خارج الشرعية،
ودولة لا تفرض سيادتها،
وجد اللبنانيون أنفسهم مرة جديدة في قلب النار.

وما يزيد من مرارة المشهد، هو الشعور بأن لبنان لم يعد يُعامل كدولة كاملة السيادة، بل كورقة في لعبة أكبر، تُرسل عبره الرسائل، وتُخاض على أرضه المواجهات، ويُطلب من شعبه أن يتحمّل النتائج.

لكن إلى متى؟
إلى متى سيبقى اللبنانيون وقودًا لصراعات لا تمثّلهم؟
إلى متى ستبقى بيروت تدفع الثمن بدلًا عن الآخرين؟
وإلى متى سيبقى قرار الحرب والسلم خارج إطار الدولة؟
هذه الأسئلة لم تعد سياسية فقط… بل وجودية.

لأن ما يحصل اليوم لا يهدد فقط الأمن، بل يهدد فكرة لبنان نفسها. 

فكرة الدولة، فكرة السيادة،
وفكرة أن يكون لهذا البلد حق في أن يعيش بعيدًا عن الحروب.

بيروت لا تحتاج إلى بيانات شجب، ولا إلى خطابات تعاطف.. بيروت تحتاج إلى قرار.. قرار يعيد للدولة دورها الحقيقي، ويضع حدًا لكل واقع يجعلها عاجزة عن حماية شعبها.. قرار يؤكد أن لبنان ليس ساحة بل وطن، وأن دماء أبنائه ليست مادة تفاوض.

لقد تعب اللبنانيون من الانتظار،
ومن الوعود، ومن التبريرات..
تعبوا من أن يُقال لهم إن هذه "المرحلة ستمر"، بينما كل مرحلة تترك جرحًا أعمق من السابقة.

الأربعاء الأسود ليس مجرد يوم في سجل الأحداث، بل إنذار أخير.

إنذار بأن الاستمرار بهذا الواقع يعني المزيد من الدمار، والمزيد من الضحايا، والمزيد من وطنٍ يتآكل بصمت.

الخلاص ليس مستحيلًا،
لكنه يبدأ من مواجهة الحقيقة كما هي.. لا يمكن لدولة أن تقوم بقرارين، ولا يمكن لوطن أن ينجو وهو عالق بين سلطتين.
إما أن يستعيد لبنان نفسه،
أو يبقى رهينة.

وبين هذا وذاك، تبقى بيروت تنزف… وتنتظر.

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )


المصدر : Transparency News