لبنان يدخل التفاوض بلا أوراق… ماذا قال في الجلسة الأولى؟
14-04-2026 08:46 PM GMT+03:00
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، دخل لبنان أولى جلسات التفاوض وسط مشهد مفتوح على كل الاحتمالات. ما جرى لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل اختباراً فعلياً لبلد يحاول إعادة تموضعه تحت عنوان “فصل المسارات”، أي التفاوض باسم الدولة، لا باسم التوازنات التي حكمته لسنوات.
لكن هذا الدخول لم يكن نتيجة مسار مستقر، بل اندفاعة سياسية اصطدمت سريعاً بالواقع الداخلي. فقبل الوصول إلى الجلسة الأولى، أُلغيت زيارة واشنطن، لا بسبب تبدّل في الخارج، بل بسبب خلل في الداخل، حيث لم يصمد القرار أمام انقسام واضح بين من قرأ المخاطر وحاول ضبط الإيقاع، ومن اندفع نحو خطوة تفوق قدرة البلد على تحمّلها. وعند لحظة الحسم، لم يتحوّل القرار إلى مسار… بل سُحب.
هذا السحب لم يكن تفصيلاً، بل كشف الخلل البنيوي في القرار اللبناني: قرارات تُعلن في العلن، ثم تُسحب في الكواليس عند أول اختبار جدّي. كل خطوة غير محمية بتوازن داخلي تتحوّل تلقائياً إلى خطوة مؤقتة.
ما الذي تعطيه هذه الخطوة للبنان؟
ورغم هذا التعثّر، لا يمكن إغفال دلالة الدخول إلى مسار تفاوضي، حتى لو جاء هشّاً وناقصاً.
أولاً: هو محاولة لإعادة تعريف موقع الدولة، أو ما تبقّى منها، كجهة تفاوضية، لا كامتداد مباشر لحالة الحرب، أي السعي لتجنيب لبنان الرسمي—أو الجزء غير المنخرط في قرار الحرب—الانزلاق الشامل إلى المواجهة.
ثانياً: يحدّ هذا المسار، ولو نظرياً، من احتكار تمثيل لبنان في الملفات الإقليمية، عبر إعادة جزء من قرار التفاوض إلى إطار الدولة، بدل بقائه ورقة تُستخدم من خارجها.
ثالثاً: يبعث برسالة داخلية إلى شريحة واسعة من اللبنانيين غير المنخرطين في قرار الحرب، مفادها أن هناك محاولة، ولو محدودة، لوجود مظلّة سياسية تحاول حماية الحد الأدنى من الاستقرار.
لكن هذه الإيجابيات تبقى مشروطة: إما أن تتحوّل إلى مسار فعلي، أو تبقى مجرّد إشارة سياسية عابرة.
من التفاوض إلى إدارة الخطر
ما تلا الجلسة الأولى لم يكن تثبيتاً لمسار تفاوضي، بل استمراراً لحالة القلق الداخلي. الخطاب لم يتجه نحو تحديد أهداف التفاوض، بل نحو احتواء الداخل ومنع الانقسام، ما يعكس أن الأولوية لا تزال لإدارة الخطر، لا لصناعة القرار.
وهنا تتكشّف المشكلة: ليس في الذهاب إلى التفاوض، بل في الذهاب إليه من دون أرضية داخلية صلبة.
التفاوض تحت النار… ليس تفاوضاً
لبنان لا يفاوض في ظروف طبيعية، بل تحت ضغط ميداني مباشر، وبلد مكشوف أمام نيران مفتوحة. في هذا الواقع، لا تكون الطاولة متكافئة، بل امتداداً للميدان.
التفاوض تحت النار لا يُنتج اتفاقات متوازنة، بل يكرّس موازين القوى. وعندها، لا تعود المشكلة في ما إذا كانت إسرائيل ستقبل أو ترفض، بل في أن لبنان لا يملك ما يفرضه أصلاً.
الانقسام الداخلي… أفضل ورقة بيد إسرائيل
الأخطر أن لبنان يدخل التفاوض وهو منقسم على نفسه. لا موقف موحّد، ولا قرار مركزي. وهذا لا يضعف موقعه فقط، بل يمنح الطرف المقابل أفضلية جاهزة.
إسرائيل لا تحتاج إلى فرض شروط جديدة بقدر ما تستفيد من هذا الانقسام. ما لا تحققه بالقوة، تحققه عبر استثماره سياسياً. وهنا يتحوّل الانقسام الداخلي من أزمة داخلية… إلى ورقة قوة بيد الخصم.
دولة تفاوض… وقرار خارجها
المعضلة الأعمق أن الدولة التي تفاوض لا تملك وحدها قرار الحرب والسلم، ولا القدرة على تنفيذ ما قد تلتزم به. في المقابل، هناك من يقاتل ويدفع الكلفة، خارج الإطار الرسمي.
وهنا يفقد التفاوض معناه، لأنه لا يعكس قرار دولة، بل محاولة لتجميع قرارات متناقضة تحت عنوان واحد.
ويبقى الدخول سهل… الخروج هو التحدّي
لبنان اليوم لا يقف أمام مفاوضات مكتملة، بل أمام مسار هش، بلا أوراق كافية، وبلا وحدة قرار.
صحيح أن الوصول إلى الجلسة الأولى كسر الجمود، لكنه لا يكفي. لأن التحدّي الحقيقي ليس في الدخول إلى التفاوض…
بل في القدرة على الخروج منه بشيء يمكن الدفاع عنه.
هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )
المصدر : Transparency News








