كان اجتماع نواب بيروت في فندق فينيسيا أشبه بإعلان سياسي واضح عن بداية مرحلة جديدة في التعامل مع موقع العاصمة داخل معادلة الدولة والسلاح والقرار السيادي. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يجتمع هذا العدد من نواب العاصمة، على اختلاف مواقعهم السياسية، حول عنوان واحد صريح ومباشر: بيروت يجب أن تكون مدينة منزوعة السلاح.


 وهذه ليست عبارة إنشائية، بل محاولة لإعادة رسم وظيفة العاصمة داخل الدولة اللبنانية نفسها.

التحول هنا لا يكمن فقط في مضمون البيان، بل في توقيته وسياقه. فبيروت التي كانت تاريخياً صندوق بريد الرسائل الإقليمية، وساحة اختبار موازين القوى الداخلية، بدأت تقول بوضوح إنها لم تعد تحتمل أن تبقى رهينة سلاح خارج قرار الدولة، ولا منصة مفتوحة لحروب الآخرين، ولا مساحة قابلة للاهتزاز الأمني عند كل تطور إقليمي. لذلك جاء المؤتمر بمثابة محاولة سياسية لتثبيت معادلة جديدة: العاصمة ليست تفصيلاً في الدولة، بل هي عنوانها الأول.

البيان الصادر عن الاجتماع أدان الاعتداءات الإسرائيلية التي طالت بيروت وسقط بنتيجتها ضحايا مدنيون، لكنه في الوقت نفسه ذهب أبعد من الإدانة التقليدية، حين ربط حماية العاصمة مباشرةً بحصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية. هذا الربط ليس لغوياً، بل هو جوهر النقاش السياسي الحقيقي الدائر اليوم في لبنان: لا يمكن حماية بيروت إذا بقي القرار الأمني موزعاً بين أكثر من مرجعية.

هنا تحديداً برز الدور السياسي للنائب فؤاد مخزومي الذي حاول في كلمته نقل النقاش من مستوى التمنيات إلى مستوى القرار التنفيذي. لم يتحدث عن شعار سيادي عام، بل وضع معادلة واضحة: لا قيام لدولة من دون حصر السلاح بيدها، بما فيه سلاح حزب الله. هذه الصياغة ليست تفصيلاً، لأنها تنقل مطلب «بيروت منزوعة السلاح» من مساحة العموميات إلى مساحة التطبيق المباشر.

الأهمية السياسية لكلمة مخزومي أنها تعاملت مع المسألة باعتبارها حقاً يومياً لسكان العاصمة، لا بنداً في سجال استراتيجي طويل. حين قال إن أهل بيروت لا يريدون أن يكونوا ضحايا صراعات لا علاقة لهم بها، فهو يعيد تعريف النقاش حول السلاح من كونه قضية توازنات إقليمية إلى كونه قضية أمن مدني وحق بالحياة الطبيعية داخل العاصمة. وهذا التحول في المقاربة هو ما يمنح المبادرة وزنها الحقيقي.

لكن الأهم من ذلك أن الاجتماع لم يكتفِ بإطلاق موقف سياسي، بل طرح تصوراً عملياً يبدأ بانتشار الجيش اللبناني في كل شوارع بيروت، ويمر بإجراءات أمنية استثنائية قد تصل إلى إعلان التعبئة العامة ضمن نطاق العاصمة إذا اقتضت الحاجة. هذا الطرح يعكس إدراكاً بأن إعلان بيروت مدينة خالية من السلاح لا يمكن أن يبقى شعاراً، بل يجب أن يتحول إلى خطة تنفيذية واضحة.

في هذا السياق أيضاً جاء الدعم الصريح للحكومة ورئيسها نواف سلام باعتباره دعماً لمسار استعادة القرار الأمني للدولة، لا مجرد تضامن سياسي عابر. فحين يعلن نواب العاصمة تأييدهم لتطبيق قرار جعل بيروت مدينة منزوعة السلاح «دون استثناء ودون تردد»، فهم عملياً يضعون السلطة التنفيذية أمام مسؤولية تاريخية: إما تنفيذ القرار أو الاعتراف بعجز الدولة عن حماية عاصمتها.

اللافت في اجتماع فينيسيا أنه جمع نواباً من اتجاهات سياسية متباعدة، وهو ما يمنحه بعداً يتجاوز الاصطفافات التقليدية. هذا يعني أن فكرة تحييد بيروت أمنياً لم تعد مطلب فريق سياسي واحد، بل بدأت تتحول إلى أرضية مشتركة داخل البيئة السياسية للعاصمة نفسها. وعندما تتحول قضية ما إلى قاسم مشترك بيروتي، فهي عادةً تكون في طريقها إلى التحول إلى مطلب وطني أوسع.

كلمة مخزومي حملت رسالة سياسية إضافية لا تقل أهمية: لم يعد هناك مكان للمواقف الرمادية. إما أن تكون بيروت تحت سلطة الدولة، أو تبقى رهينة الفوضى الأمنية. إما أن ينتشر الجيش في شوارعها كمرجعية وحيدة، أو تستمر العاصمة في دفع ثمن الصراعات التي لا علاقة لها بها. هذه الثنائية الحادة ليست تصعيداً خطابياً، بل تعبير عن واقع تعيشه المدينة منذ سنوات ويتفاقم اليوم مع كل اهتزاز أمني جديد.

بيروت التي احتضنت اللبنانيين في أصعب مراحل تاريخهم، واستوعبت موجات النزوح والانهيار الاقتصادي والحروب المتكررة، تحاول الآن أن تقول إنها لم تعد قادرة على لعب دور «ساحة الاشتباك البديلة» عن الجميع. إعلانها مدينة منزوعة السلاح ليس مطلباً أمنياً فقط، بل محاولة لإعادة تعريف موقعها داخل الدولة: عاصمة للحياة لا منصة للصراعات.

وإذا كان اجتماع فندق فينيسيا قد نجح في شيء، فهو أنه نقل هذا النقاش من الهامش إلى قلب المشهد السياسي. ومن هنا تبدأ المعركة الحقيقية: هل تتحول المبادرة إلى قرار سيادي فعلي… أم تبقى مجرد محطة عابرة في تاريخ مدينة اعتادت أن تدفع دائماً ثمن الآخرين؟


المصدر : Transparency News