الدكتور خليل كاعين


عدتُ إلى منزلي بعد أسابيع طويلة من التهجير، أحمل معي تعب الطريق وذاكرة مثقلة بصور لا تُمحى. لم تكن هذه المرّة الأولى التي نغادر فيها بيوتنا قسرًا، ولا الأولى التي نعود لنجد ما تبقّى منها. بين رحيلٍ وعودة، تتراكم التجارب وتتشابه المشاهد، حتى يصبح الدمار مألوفًا، ويغدو الألم جزءًا من يومياتنا.

في كل مرة، يتكرّر الخطاب ذاته: “نصر” يُعلَن، وصمود يُحتفى به، فيما الخسائر تتراكم، والبيوت تُهدم، والناس تُستنزف. وبين ما نعيشه على الأرض وما يُقال في السياسة، تتّسع الفجوة، ويكبر السؤال: أيُّ معنى لهذا “النصر” إذا كان ثمنه الوطن؟

منذ ستةٍ وعشرين عامًا، أي منذ تحرير الجنوب عام 2000، حافظت المقاومة على شرعية سلاحها تحت عنوان استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا وتلال كفرشوبا وبعض النقاط الخلافية على الخط الأزرق. غير أنّ هذا المسار أخذ منحىً مختلفًا بعد عملية خطف الجنود الإسرائيليين، التي أدّت إلى اندلاع حرب تموز 2006، أو ما عُرف بحرب الـ33 يومًا.

تلك الحرب خلّفت آلاف الضحايا من اللبنانيين، مقابل مئات القتلى من الجانب الإسرائيلي، وانتهت بإعلان حزب الله “انتصارًا” استند أساسًا إلى بقائه وعدم نزع سلاحه، رغم الدمار الواسع الذي لحق بالبلاد. هذا “النصر” لم يبقَ في إطاره الخارجي، بل استُثمر داخليًا، وصولًا إلى أحداث أيار 2008، حين استُخدم سلاح المقاومة داخل بيروت وبعض مناطق الجبل، في سابقة شكّلت تحوّلًا خطيرًا في وظيفة هذا السلاح، الذي كان يُفترض أن يكون موجّهًا حصريًا ضد العدو.

تواصل هذا المسار في محاولات الإمساك بمفاصل الدولة، وكان من أبرز محطاته إيصال الحليف ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية. وقبيل نهاية عهده، أُبرم اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، والذي أثار جدلًا واسعًا حول ما اعتُبر تنازلًا عن حقوق لبنانية، لا سيما في ما يتصل بحقل كاريش ومساحات بحرية غنية بالموارد.

المفارقة هنا أنّ اتفاق 17 أيار في ثمانينيات القرن الماضي، الذي أُلغي تحت ضغط شعبي واعتُبر يومها تنازلًا وخيانة، قوبل بخطاب تخويني حاد لمن دعموه، فيما جرى التعاطي مع اتفاق الترسيم الأخير بمرونة لافتة، رغم تضمّنه اعترافًا صريحًا بإسرائيل في نصّه. وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول معايير السيادة وحدود البراغماتية السياسية، وحول التناقض بين رفض الاعتراف بإسرائيل من جهة، والتعامل معها رسميًا من جهة أخرى.

حرب إسناد غزة – 2024

اليوم، ومع تصاعد المواجهات على الأراضي اللبنانية تحت عنوان “حرب الإسناد” لغزة خلال عام 2024، عاش اللبنانيون واحدة من أكثر المراحل قسوة. حرب دامت لأكثر من شهرين، شهدت تهجيرًا واسعًا، ودمارًا طال معظم منازل القرى الجنوبية المتاخمة، وأبنيةً عديدة في الضاحية الجنوبية لبيروت، فضلًا عن امتداد الأذى إلى مناطق مختلفة من الوطن. وقد خلّفت هذه الحرب آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، ونزوحًا فاق المليون مواطن، يعيش كثير منهم في ظروف إنسانية قاسية تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم. ومع ذلك، عاد الخطاب نفسه ليُعلن “النصر” لأن البقاء تحقق، وكأنّ حجم الخسائر البشرية والمادية بات تفصيلًا ثانويًا.

حرب الإسناد الإقليمية (المرحلة الأخيرة)

في المرحلة الأخيرة من التصعيد، بدا واضحًا انتقال المواجهة إلى سياق إقليمي أوسع، حيث ارتبطت الساحة اللبنانية أكثر بحسابات خارجية، لا سيما الإيرانية، وتحوّلت إلى جزء من صراع يتجاوز حدود المصلحة الوطنية اللبنانية. هذا التحوّل عمّق الخسائر البشرية والمادية، ووسّع دائرة النزوح والمعاناة، دون أن يكون للدولة اللبنانية الدور الحاسم في قرار الحرب أو مسارها.

في هذا السياق، برزت محاولات من الدولة اللبنانية، ممثّلة برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، لفصل المسار اللبناني عن الصراعات الإقليمية، والتأكيد على حق الدولة وحدها في إدارة التفاوض وقرار الحرب والسلم. غير أنّ هذه المحاولات قوبلت برفض من حزب الله، الذي يربط مسار المواجهة بتوجهات إقليمية، وكأنّ الدولة خارج المعادلة.

في المقابل، لم تخلُ خطابات الحزب من اتهام السلطة بالتقصير في رعاية النازحين، رغم أنّ قرار المواجهة لم يُتخذ ضمن مؤسسات الدولة، ودون توفير الحد الأدنى من مقومات الصمود للمدنيين. وهنا يظهر التناقض بين الدعوة إلى تحمّل “التضحيات” من جهة، وغياب المسؤولية عن نتائج هذه المواجهة من جهة أخرى.

خلال عقود، ترسّخت لدى شريحة من اللبنانيين سردية تعتبر الخسارة “نصرًا”، والدمار “تضحية”، حتى بات المجتمع يعيش في حالة انتظار دائم لحروب جديدة تُسجَّل فيها “انتصارات” متتالية، دون مراجعة فعلية للنتائج. غير أنّ الواقع يُظهر أنّ هذه الحروب، من 2006 إلى 2026، لم تجلب سوى المزيد من الويلات، لا سيما لأبناء الجنوب والضاحية الجنوبية، ولعموم اللبنانيين.

في خضمّ هذه الأزمة، تتعرّض السلطة لاتهامات بالتخوين لمجرّد سعيها إلى ممارسة دورها الطبيعي في إدارة شؤون البلاد، بما في ذلك التفاوض لوقف الحرب، في حين يُسمح، في المقابل، لأطراف خارجية بالتأثير المباشر في القرار اللبناني. هذا الواقع يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بمفهوم السيادة، وبحق الدولة في احتكار قرار الحرب والسلم.

إنّ ما يعيشه لبنان اليوم من دمار وخسائر بشرية ونزوح واسع، يؤكد أنّ الاستمرار في هذا النهج لم يعد ممكنًا. فالمصلحة الوطنية تقتضي إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها، وفصل القرار اللبناني عن الصراعات الإقليمية، والعمل ضمن إطار وطني جامع يضم جميع اللبنانيين.

لبنان بحاجة إلى مقاربة جديدة، تُعيد تعريف مفهوم المقاومة ضمن إطار الدولة، وتُخضع السلاح لشرعيتها، بما يسمح بمواجهة أي اعتداء ضمن رؤية وطنية موحّدة، ويؤمّن في الوقت نفسه دعمًا دوليًا يحمي البلاد ويصون سيادتها.

إنّ الخروج من دوامة الحروب المتكررة لا يكون بتكريس الانقسام، بل بالعودة إلى الدولة، والاحتكام إلى منطق المصلحة الوطنية، بعيدًا عن أي ولاءات خارجية. وحدها هذه العودة كفيلة بحماية لبنان، أرضًا وشعبًا، من الأخطار التي تهدّده، أيًّا كان مصدرها.

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )


المصدر : Transparency News