أنطوان سلمون


لم تكن مقابلة الدكتور سمير جعجع بمضمونها،عشية الذكرى الثانية والثلاثين لاعتقاله وانطلاق مرحلة جديدة مختلفة من نضاله ومقاومته،الا تأكيداً بالوقائع والتجارب والشهادات، على الثبات في المواقف وعلى الوضوح في الرؤى،وأكثر ما برز وتكرر من مضمون المقابلة على شاشة السكاي نيوز مع الاعلامية هادلي غامبل هو التشخيص الصحيح والصائب لمشكلة لبنان الاساسية والذي باتت مختلف الاطراف والاطياف والطوائف اللبنانية تطرحه، ،منصفةً لخيارات القوات اللبنانية ورئيسها وشهدائها، وعلى رأسها خيار الدولة،بعد طول انكار واجحاف.

الحكيم هذا الطبيب الذي منعته الحرب من اكمال دراسته في حقل الطب  والجراحة ،لم يبتعد يوما عن تقنيات رسالة الطبيب في النشخيص الصحيح وتسمية المرض باسمه ووضع الاصبع على الجرح لذلك اعتبر المتتبع للمقابلة الأخيرة ان سمير جعجع رسم "صورة قاتمة للواقع اللبناني" اذ "لا دولة حقيقية في لبنان ما دام "الحزب"  "دويلة" إلى جانب الدولة"...ولا يكون تكرارا ممجوجا ان يقول الطبيب الحكيم في تشخيص المرض هو ان
"الدويلة” إلى جانب الدولة، تتحكم بالقرار الوطني منذ أربعة عقود، فيما تبقى الدولة الرسمية عاجزة عن فرض قراراتها وتنفيذها" ويشرح مضاعفات المرض وما يسميه اللبنانيون طبيّاً "اشتراكات",بقوله  "إن لبنان يعمل اليوم على مستويين متوازيين: دولة تتفاوض وتحاول إدارة الأزمة، و"دويلة" هي صاحبة القرار الفعلي.ليضع الاصبع على الجرح ليس لنكئه بل لمحاولة علاجه وختمه دون زغل "أن الحكومة اللبنانية اتخذت قرارات ومراسيم عديدة في ما يتعلق بالحزب إلا أن المشكلة ليست في اتخاذ القرار بل في العجز عن تنفيذه"...و"أن المشكلة تكمن في غياب الجهاز التنفيذي القادر على ترجمة القرار السياسي إلى فعل...الدولة في جهة، وبقية الإدارة في جهة أخرى”.
وما اعتبره البعض رسم لصورة قاتمة شخّصه الحكيم باسمه وهو ان في لبنان "دولة عميقة"   تشمل مختلف الأجهزة الأمنية، من الجيش إلى قوى الأمن الداخلي، إضافة إلى أجزاء من القضاء،ولم يخشى ان يكاشف اللبنانيين المشاهدين ب"علّة" الكثيرين داخل المؤسسات تلك بانهم  لا يزالون أسرى  "متلازمة ستوكهولم" في مقاربة ملف الحزب...

امام هذا التشخيص الحقيقي المباشر ولو كان قاتما وصادما،وامام عدم جدوى المسكنات والمهدئات والمسايرات في تسمية ومعالجة الورم خبيث وحتى ازالته،لا بد من اتخاذ القرار الجريء باجراء جراحة عاجلة ولو متأخرة حيث تعمل الدولة حكومة ومؤسسات امنية معنية بتنفيذ ،بمبضع الجرّاح هذه المرّة، ما شخصته في تبنيها اتفاق وقف اطلاق النار وخطاب القسم والبيان الوزاري وما قررته في 5 و7 آب 2025 وما اكدت عليه في 8 نيسان 2026..."ليكون لبنان حاضراً كدولة حقيقية وصاحبة قرار"،و "ان الظروف التي يهددنا بها الحزب اليوم على ما شخّص الحكيم "تختلف عن ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت المعادلات الإقليمية مختلفة تماماً بوجود حافظ الأسد والخميني في ذروة النفوذ" 
   
وامام "قول الحقيقة مهما كانت صعبة" على ما اوصى به الرئيس الشهيد المؤسس للقوات اللبنانية من المفيد التنويه مما سبق من تقنيات التحليل والتشخيص وسبل المعالجة، الى ما يقتضيه العمل بالشان العام وبالمعترك الوطني السياسي بما قاله الحكيم الطبيب  في 25 حزيران 1984
ل"النهار العربي والدولي"أنا أسأل لماذا اذا أراد احدنا أن يصبح مهندسا يدرس أربع او خمس سنوات،وبعدها يمارس لسنتين أو ثلاث لكي يحق له عندئذ ان يدير ورشة صغير.بينما من سيدير مصير البلاد والعباد يتم اختياره على أساس ان لا علاقة له لا بالبلاد ولا بالعباد.فهو رجل مشلول غير ملتزم وغير فاعل وغيير منتج.
السياسة علم قائم بذاته،ولا يجوز التعاطي بالسياسة بهذه الخفة والسطحية والجهل.
السياسي يجب أن يكون ملماً بالفلسفة والدين والتاريخ والجغرافيا والاستراتيجية والعسكر والاقتصاد والمجتمع.فالحقل السياسي ليس حقل عمل لمن لا عمل لهم"   
وفي ذكرى اعتقاله يبقى كلام سمير جعجع معبّرا عن ثبات القوات بمبادئها ومطالباتها بوجه المهددين المخوفين المتوعدين بقوله في 21 نيسان 2006:"طلبوا إذعانا قلنا أبداً،قالوا سجناً قلنا حسناً"

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )


المصدر : Transparency News