عرب يكتبون نهاية فلسطين: حين تتحول الرواية إلى سلاح
22-04-2026 05:03 PM GMT+03:00
لم يعد الصراع على فلسطين يُحسم فقط في الميدان، بل في السرد. الأخطر اليوم ليس ما تفعله آلة الحرب، بل ما تفعله “آلة الرواية” حين تُعاد كتابة الحقيقة—وأحيانًا بأقلام عربية.
أولًا: من آلة الحرب إلى آلة السرد
أخطر ما يواجهه الفلسطيني اليوم ليس فقط آلة الحرب، بل آلة السرد. لم يعد الصراع يُدار بالصواريخ والطائرات وحدها، بل بالكلمات، بالنصوص، وبمحاولات إعادة تعريف الحقيقة نفسها. وفي هذا المشهد، يظهر دور صادم ومقلق: أصوات عربية تتقدّم لتفكيك الرواية الفلسطينية من الداخل، لا عبر نقد علمي موثّق، بل عبر إعادة إنتاج سرديات تنتهي إلى نتيجة واحدة: نفي وجود شعب، أو تحويله إلى طارئ في التاريخ، أو اختزاله في نزاع قابل للمساومة.
هذه ليست اختلافات فكرية بريئة، بل انزلاق واضح. انزلاق نحو استخدام أدوات تبدو معرفية—التاريخ، الدين، اللغة—لكنها تُوظَّف سياسيًا لخدمة موازين قوى قائمة. نرى، مثلًا، كيف يُستدعى النص الديني خارج سياقه، ويُعاد تأويله ليُقدَّم كوثيقة “ملكية” مطلقة، وكأن الإيمان تحوّل إلى سجل عقاري.
لكن النصوص الدينية لم تكن يومًا كذلك. هي نصوص هداية، لا خرائط سيادة. وأي محاولة لتحويلها إلى أداة نفي للآخر، تفقد بعدها الأخلاقي قبل أن تفقد دقتها العلمية.
ثانيًا: تفكيك السرديات وبناء معيار الحقيقة
في المقابل، تُعاد إحياء مقولة قديمة: “لم يكن هناك شعب فلسطيني”. وهنا، لا يكفي الرفض العاطفي، بل يجب الرد بحقائق بسيطة وصلبة: الشعوب لا تُخلق بقرار سياسي، بل تتشكل عبر الزمن. وإذا كان مفهوم الدولة الحديثة حديثًا، فهذا لا ينفي وجود المجتمعات التي سبقته.
فلسطين لم تكن فراغًا في أي مرحلة تاريخية موثقة. كانت أرضًا مأهولة، بمجتمع متصل، بتقاليد وعلاقات اقتصادية وثقافية متجذّرة. تعاقبت عليها سلطات وإمبراطوريات، لكن السكان بقوا. وهذا البقاء ليس تفصيلًا… بل هو التعريف الأوضح للوجود.
أما اللعب على أسماء المدن، فهو محاولة أخرى لفصل الأرض عن سياقها. لكن المدن العميقة لا تختزل باسم واحد، بل تُبنى من طبقات تاريخية متراكمة. القدس لم تفقد هويتها لأنها عُرفت بأكثر من اسم، بل ازدادت رسوخًا عبر هذا التراكم.
السؤال الحقيقي ليس: ما اسم المدينة؟ بل: من عاش فيها؟ ومن لا يزال يدفع ثمن البقاء فيها؟
في هذا السياق، قدّم بعض الباحثين قراءات مضادة، ومنهم وسيم السيسي، الذي حاول تفكيك عدد من الادعاءات التاريخية والدينية التي تُستخدم لإضفاء شرعية مطلقة على رواية واحدة. لكن الإشكال لا يُحلّ بمجرد “رد على رد”، لأن تحويل الحقيقة إلى سجال دائم يعني فقدان معيارها.
ما يجري اليوم أخطر من مجرد جدل فكري. إنه محاولة لإعادة تعريف الحق نفسه: أن يصبح التاريخ مادة قابلة لإعادة الصياغة وفق ميزان القوة، وأن يتحول الدين إلى أداة إقصاء، وأن يُعاد تعريف الشعوب وفق من يملك المنصة… لا من يملك الأرض.
هذه ليست قراءة… بل مشروع
مشروع لا يستهدف الماضي فقط، بل يمهّد لمستقبل تُصاغ فيه الحقوق على قياس القوة، لا العدالة.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في ملاحقة كل رواية مضادة، بل في بناء رواية رصينة، متماسكة، تستند إلى الوقائع، وتحافظ على بعدها الأخلاقي، دون أن تنزلق إلى الكراهية أو التبسيط.
رواية تعرف أن الحق لا يحتاج إلى تزوير، وأن التاريخ، مهما أُعيدت صياغته، لا يمكن اقتلاعه من ذاكرة من عاشوه.
في النهاية، قد يُعاد تأويل النص، وقد تُشوَّه الوقائع، لكن الحقيقة التي لا يمكن محوها هي هذه: الأرض لا تُعرَّف فقط بمن كُتبت باسمه، بل بمن عاش عليها… وبمن لا يزال يدفع ثمن البقاء فيها.
هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )
المصدر : Transparency News








