الدولة العميقة تضرب الإصلاح المالي: لماذا يُستهدف كريم سعيد كما استُهدف جوزيف عون ونواف سلام
29-04-2026 03:30 PM GMT+03:00
هذه هي القاعدة التي حكمت الحياة السياسية والإدارية والمالية في البلاد: رئيس جمهورية يعلن مسارًا سياديًا فلا يُنفَّذ، رئيس حكومة يضع برنامج إصلاح فلا يُطبَّق، وحاكم مصرف مركزي يحاول إعادة ضبط القواعد النقدية فيُحاصَر. ما يحدث اليوم مع حاكم مصرف لبنان كريم سعيد يشبه إلى حد بعيد ما واجهه رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام: قرارات استراتيجية تُتخذ، ثم تتدخل الدولة العميقة لتفريغها من مضمونها وإبقائها حبرًا على ورق.
هذه ليست مصادفة. إنها آلية حكم.
فالمنظومة التي أدارت البلاد طوال العقود الماضية لم تكن ترى في الدولة إطارًا سياديًا جامعًا، بل مساحة نفوذ تُدار عبر تعطيل المؤسسات لا عبر تفعيلها. ولذلك، كل محاولة جدية لإعادة بناء قواعد القرار السياسي أو المالي تُواجَه تلقائيًا بمحاولة احتواء أو إضعاف أو تشويه أو تعطيل. ما جرى مع رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة يتكرر اليوم مع مصرف لبنان، لأن المعركة في جوهرها واحدة: من يتحكم بالقرار اللبناني في مرحلته الجديدة.
في هذا السياق تحديدًا، يصبح استهداف كريم سعيد مفهومًا. الرجل لم يأتِ من داخل المنظومة التي حكمت البلاد خلال سنوات الانهيار، ولم يدخل مصرف لبنان بوصفه امتدادًا لتوازناتها، بل بوصفه محاولة لإعادة إدخال الاقتصاد اللبناني ضمن قواعد العمل المؤسساتي الطبيعي، وفق المعايير الدولية لمكافحة اقتصاد الكاش غير الشرعي، وتشديد الرقابة على تبييض الأموال، وفتح ملفات المرحلة السابقة التي طالها فساد واسع وممنهج. وهذه وحدها كانت كافية لإطلاق حملة سياسية وإعلامية منظمة عليه.
فالاقتصاد اللبناني لم يكن يومًا مجرد قطاع إنتاج أو خدمات، بل كان أداة سيطرة سياسية. كلما ازداد ضعف الاقتصاد، ازدادت حاجة المواطنين إلى السلطة. وكلما اتسعت دائرة الفقر، اتسعت قدرة المنظومة على الإمساك بالمجتمع. لذلك لم يكن انهيار الاقتصاد نتيجة فشل عرضي، بل نتيجة نموذج حكم كامل يقوم على إدارة الهشاشة لا على إنهائها.
اليوم يتكرر المشهد نفسه. يدفع الاقتصاد اللبناني مرة جديدة ثمن الحرب التي اندلعت بعد الهجوم الذي شنه حزب الله على إسرائيل وما تبعه من رد إسرائيلي واسع ومدمّر، وهو قرار لم تتخذه الدولة اللبنانية لكنها تتحمل كلفته كاملة. تراجعت الواردات، تقلصت الصادرات إلى حدودها الدنيا، انخفضت التحويلات المالية التي كانت تشكل شريان حياة أساسياً للاقتصاد، وتراجعت الثقة الدولية أكثر من أي وقت مضى، فيما ازدادت الضغوط على قدرة مصرف لبنان لتأمين الدولارات اللازمة لدفع رواتب القطاع العام وتمكين المودعين من سحب أجزاء محدودة من ودائعهم.
ومع ذلك، بدل طرح السؤال الحقيقي حول كلفة الحرب ومن قررها، أعيد توجيه النقاش نحو مصرف لبنان. كأن المشكلة في السياسة النقدية لا في القرار السياسي الذي فجّر الأزمة.
في لبنان، تُنقل المسؤولية دائمًا من الفاعلين إلى المديرين. تُحاسَب المؤسسات التي تحاول إدارة النتائج، بينما تُعفى الجهات التي صنعت الكارثة. ولهذا تحديدًا لم يكن تقرير صحيفة “الأخبار” حول “تحرير الليرة” تحليلًا اقتصاديًا بريئًا، بل جزءًا من حملة سياسية تمهيدية واضحة لإعادة تشكيل مصرف لبنان كخصم داخلي جديد، تمهيدًا للضغط عليه لفتح الطريق أمام استخدام ما تبقى من احتياطاته في تمويل برامج إعادة الإعمار.
في تلك الفقرة المفتاحية التي تحدثت عن محاولة الحاكم “محاصرة الدولة” لأنه يرفض استخدام الأموال العامة في الإعمار، ظهرت الحقيقة كاملة. الرسالة لم تكن تقنية. الرسالة كانت سياسية: المطلوب من مصرف لبنان أن يمول المرحلة المقبلة، بعدما تبيّن بوضوح أن التمويل الخارجي غير متوافر، وأن الحزب الذي خاض المواجهة العسكرية لا يملك الموارد اللازمة لتغطية كلفتها.
وهنا تحديدًا يبدأ تصنيع “العدو الاقتصادي”.
فحين يصبح المصرف المركزي مسؤولًا عن تعطيل إعادة الإعمار لأنه يرفض استخدام أموال المودعين، يتحول الدفاع عن الاحتياطات إلى تهمة، والاستقلالية إلى جريمة، والالتزام بالقانون إلى حصار للدولة. وهذا ليس تفصيلًا. لأن استقلالية مصرف لبنان مصونة بموجب قانون النقد والتسليف، وأي كسر لهذه الاستقلالية يعني عمليًا إلغاء الخط الفاصل بين أموال الدولة وأموال المصرف المركزي، أي تحويل خسائر السلطة إلى خسائر اللبنانيين مرة جديدة.
ما تطالب به هذه الحملة، بصورة مباشرة أو مواربة، هو إعادة إنتاج النموذج الذي قاد إلى الانهيار الكبير، حين تحولت استدانة الدولة من مصرف لبنان إلى قاعدة ثابتة، استُنزفت عبرها الاحتياطات وتراكمت عبرها الخسائر.
من هنا يمكن فهم التهويل الذي رافق الحديث عن “تحرير الليرة” وإمكانية ارتفاع الدولار إلى 200 ألف أو حتى 500 ألف ليرة. هذا الخطاب لم يكن تقديرًا اقتصاديًا واقعيًا، بل أداة ضغط سياسي. لأن تحرير سعر الصرف ليس قرارًا يستطيع مصرف لبنان اتخاذه منفردًا، بل يحتاج إلى قرار حكومي شامل وإلى قطاع مصرفي عامل يحدد من خلاله ميزان العرض والطلب الحقيقي على العملات، وهو أمر غير متوافر اليوم. كما أن الاقتصاد اللبناني أصبح في معظمه مُدولرًا، ما يجعل الحديث عن انهيار كامل في سعر الصرف بهذا الشكل أقرب إلى حملة تخويف منه إلى سيناريو فعلي.
الحقيقة أن الليرة لم تعد أصلًا عملة الاقتصاد اللبناني، بل أصبحت عملة الإدارة العامة فقط، تُستخدم لدفع الرسوم والضرائب، بينما تتم غالبية العمليات النقدية بالدولار. ومع ذلك جرى استخدام سيناريوهات الانهيار النقدي لتبرير الضغط على المصرف المركزي وخلق مناخ عام يسمح بتوجيه الاتهام إليه بدل مساءلة من تسبب بالأزمة أصلًا.
في العمق، لا تتعلق المعركة بسعر الصرف. تتعلق بمن يملك القرار المالي في لبنان.
فكريم سعيد، كما جوزيف عون ونواف سلام، يمثل محاولة لإعادة تثبيت قواعد دولة طبيعية بعد سنوات من إدارة الانهيار. ولذلك تُواجَه خطواته بالحملة نفسها التي واجهت خطوات الرئاسة والحكومة. لأن الدولة العميقة التي تشكلت عبر سنوات طويلة من التحالف بين الفساد السياسي والسلاح غير الشرعي واقتصاد الكاش تدرك أن أي انتقال نحو اقتصاد منظم وشفاف يعني سقوط قدرتها على التحكم بالمجتمع.
ولهذا تحديدًا يجري اليوم تحويل مصرف لبنان إلى خصم سياسي. ليس لأنه سبب الأزمة، بل لأنه يرفض تمويل استمرارها. وليس لأنه يعطل إعادة الإعمار، بل لأنه يرفض تحويل ما تبقى من أموال اللبنانيين إلى صندوق طوارئ لحروب لا تقررها الدولة.
الاقتصاد اللبناني لا ينهار بسبب السياسات النقدية. ينهار بسبب القرار السياسي الذي يضع البلاد في مواجهات لا تملك القدرة على تحمل نتائجها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ماذا سيفعل مصرف لبنان، بل من يقرر الحرب في لبنان، ومن يتحمل كلفتها، ومن يريد مرة جديدة تحميلها للبنانيين أنفسهم.
المصدر : Transparency News








