حين يُستبدل النقاش السياسي بالإساءة: نموذج وديع عاقل وإفلاس الخطاب
02-05-2026 02:35 PM GMT+03:00
لم يعد الانحدار في مستوى الخطاب مجرد تفصيل عابر، بل بات سمةً متكرّرة تعكس أزمة عميقة في الممارسة السياسية في لبنان. وما صدر أخيرًا عن المحامي وديع عقل ليس سوى نموذج صارخ لهذا التراجع، حيث سقط الخطاب من مستوى النقاش السياسي إلى مستوى الشخصنة والإساءة، في محاولة واضحة للهروب من مواجهة الوقائع.
البداية لا يمكن فصلها عن السياق: عندما يعجز طرف عن الرد بالحجّة، يلجأ إلى الهجوم الشخصي. وهذا تمامًا ما حصل في ردود عقل على مواقف النائب وضاح صادق، حيث غابت أي مقاربة جدّية للطرح السياسي، وحلّت مكانها لغة تتناول الكرامات بدل السياسات، والأشخاص بدل القضايا.
هذا التحوّل ليس زلّة لسان، بل تعبير عن إفلاس سياسي واضح.
في جوهر المسألة، المشكلة لا تتعلق بشخص واحد بقدر ما تعكس نهجًا متكاملًا. النهج الذي يمثّله التيار الذي ينتمي إليه عقل، أي التيار الوطني الحر، والذي لطالما رفع شعارات الإصلاح والتغيير، لكنه في الممارسة كان جزءًا أساسيًا من منظومة السلطة التي أوصلت لبنان إلى الانهيار. فمن الصعب إقناع الناس بخطاب إصلاحي، في وقت تُظهر الوقائع مشاركة مباشرة في سياسات المحاصصة، وتعطيل المؤسسات، وتغطية الفساد.
هذا التيار، الذي ارتبط اسمه بالرئيس ميشال عون، لم يكن يومًا خارج السلطة، بل كان في قلبها. شارك في الحكومات، وأمسك بمفاصل أساسية في الدولة، وكان شريكًا في قرارات كبرى أثّرت على المسار الاقتصادي والسياسي. وعندما تتراكم الأزمات، من الانهيار المالي إلى الشلل السياسي، يصبح من الطبيعي أن تُطرح الأسئلة: من المسؤول؟ ومن يحاسب؟
لكن بدل الإجابة، نشهد هروبًا إلى الأمام. هروبًا عبر التصعيد الكلامي، والتصويب الشخصي، ومحاولات تشويه صورة الخصوم. وهذا الأسلوب ليس جديدًا، بل يتقاطع مع سلوك قوى أخرى، من بينها حزب الله، حيث يُستخدم الخطاب التصعيدي كبديل عن النقاش الفعلي. وعندما تغيب الحجّة، يصبح الهجوم الشخصي الأداة الأسهل.
المفارقة أن هذا النوع من الخطاب لا يُضعف الخصم بقدر ما يكشف ضعفه هو. فالقادر على الدفاع عن مشروعه لا يحتاج إلى الإساءة، والقادر على الإقناع لا يلجأ إلى التشويه. أما حين تُستبدل السياسة بالشتيمة، فذلك يعني أن المعركة خاسرة سلفًا على مستوى المنطق.
فعلاً يلي استحوا ماتوا.
المصدر : Transparency News








