تشويه مقصود أم خوف من استعادة الدور.. الحقيقة الكاملة وراء لقاء "فينيسيا"
04-05-2026 11:31 AM GMT+03:00
منذ سنوات، يعيش هذا المكوّن حالة تراجع في حضوره السياسي المنظّم، ليس بسبب غياب الكفاءات أو القيادات، بل نتيجة انكفاء الأطر التقليدية وتفكك قنوات التنسيق، ما فتح الباب أمام التشتت وترك القرار السياسي عرضة للتأثيرات الخارجية والداخلية على حد سواء. في هذا السياق تحديداً، جاءت مبادرة مخزومي لتُحدث خرقاً واضحاً في جدار الجمود، ولتعيد إطلاق دينامية التشاور بين النواب السنّة، لا كحالة ظرفية، بل كمحاولة لإعادة إنتاج دور سياسي جماعي داخل المعادلة الوطنية.
ما أزعج كثيرين لم يكن اللقاء بحد ذاته، بل كونه أعاد طرح سؤال أساسي: ماذا لو استعاد هذا المكوّن قدرته على التنظيم؟ وماذا لو خرج من موقع ردّ الفعل إلى موقع الفعل؟ هنا تحديداً بدأ الاستنفار.
الترويج لفكرة “فشل الاجتماع” بسبب عدد الحضور يكشف ضحالة في القراءة أو تعمّد في التضليل. في العمل السياسي، لا تُقاس المبادرات بعدد الكراسي الممتلئة، بل بقدرتها على إطلاق مسار. واللقاء، بكل وضوح، جاء في لحظة مفصلية يمر بها لبنان سياسياً وأمنياً، حيث تتعرض مؤسسات الدولة، وعلى رأسها موقع رئاسة الحكومة، لهجمات متتالية ومحاولات تطويق ممنهجة. في ظل هذا الواقع، فإن مجرد إعادة جمع النواب السنّة حول طاولة واحدة، حتى ولو بشكل جزئي، هو بحد ذاته خطوة متقدمة.
الأهم من ذلك، أن تأثير الاجتماع لم يقتصر على من حضروا فعلياً، بل تجاوزهم إلى نواب أبدوا تأييدهم أو تفاعلهم مع مضمونه، ما يعني أن المبادرة خرجت من إطارها الجغرافي الضيق إلى مساحة سياسية أوسع. وهذا ما لا يريد البعض الاعتراف به، لأنه ينسف رواية “العزلة” التي يحاولون إلصاقها باللقاء.
لكن الأخطر بالنسبة لخصوم هذه المبادرة هو أن الاجتماع لم يكن حدثاً عابراً، بل بداية لمسار منظم. المعلومات الواضحة تشير إلى نية تحويل هذه اللقاءات إلى منصة تنسيقية دورية تُعقد كل أسبوعين، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام الجميع للانضمام. هذا الانتقال من ردود الفعل إلى الفعل السياسي المنظم يشكّل تحوّلاً نوعياً في الأداء، ويضع أسساً لإنتاج مواقف موحّدة في الملفات الكبرى التي تواجه البلاد.
وهنا تحديداً تكمن العقدة: لبنان، منذ سنوات، يُدار على قاعدة التفكك، حيث كل طرف يتحرك منفرداً، ما يسمح للقوى الأكثر تنظيماً بفرض إيقاعها على الجميع. أي محاولة لكسر هذه القاعدة تُعتبر تهديداً مباشراً لمنظومة اعتادت الاستفادة من الانقسام.
محاولة تصوير اللقاء كأنه إطار طائفي ضيق هي أيضاً جزء من حملة التضليل. البيان الصادر لم يتحدث بلغة انعزالية، بل أعاد التأكيد على مرجعية الدستور واتفاق الطائف، وعلى دور الدولة ومؤسساتها، وعلى ضرورة حصر السلاح بيد الشرعية. هذه ليست شعارات طائفية، بل إعادة تموضع واضحة ضمن مشروع الدولة، بعيداً عن منطق الميليشيات والاصطفافات.
بمعنى آخر، ما جرى لم يكن محاولة لعزل المكوّن السنّي، بل لإعادته إلى قلب المشروع الوطني، كعامل توازن لا كطرف هامشي.
الهجوم الشخصي على مخزومي يكشف أكثر مما يخفي. فالرجل، من خلال تكرار مبادراته، بدأ يخرج من موقع النائب التقليدي إلى موقع المحرّك السياسي. هو لم يعد يكتفي بالتعليق على الأحداث، بل يسعى إلى صناعتها. قدرته على الجمع بين العمل النيابي والانفتاح العربي والدولي تجعله نقطة تقاطع، وهذا بحد ذاته يزعج أطرافاً كثيرة تفضّل بقاء الساحة بلا قيادة واضحة أو إطار جامع.
اللقاء، في هذا السياق، لم يكن معزولاً، بل يشكّل بداية اصطفاف سياسي مرن يمكن البناء عليه. وهذا تحديداً ما يفسّر محاولة تقزيمه وتشويهه، لأن أي اصطفاف جديد خارج القوالب التقليدية يُعتبر تهديداً لتوازنات قائمة.
من زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل البعد المرتبط بالاستقرار الداخلي. في بلد هشّ كلبنان، حيث التوازنات الطائفية والسياسية دقيقة إلى حد الانفجار، فإن أي خطوة نحو تنظيم المواقف داخل المكونات الأساسية تساهم في تخفيف التوتر، لا في زيادته. توحيد الموقف السنّي، أو على الأقل تقريبه، يمنع استفراد أي جهة بالقرار الوطني، ويحدّ من استخدام هذا المكوّن كورقة في صراعات الآخرين.
الرسالة التي خرج بها الاجتماع كانت واضحة: الاعتدال السياسي لم يمت، وما زال قادراً على إعادة تنظيم نفسه، وعلى لعب دور في حماية الاستقرار.
أما في ما يتعلق بالخيارات الاستراتيجية، فقد جاء موقف المجتمعين منسجماً مع منطق الدولة، لا المغامرات. دعم مسار التفاوض والمؤسسات الرسمية، ورفض الانجرار إلى مواجهات غير محسوبة، يضع هذا التوجه في موقع صمّام الأمان في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. وهذا الخيار، في بلد كلبنان، ليس ضعفاً كما يحاول البعض تصويره، بل تعبير عن عقلانية سياسية نادرة.
في الخلاصة، ما جرى في فندق “فينيسيا” لم يكن استعراضاً ناقصاً كما حاولت بعض الروايات الإيحاء، بل محاولة جدية لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وكسر حالة الشلل، وبناء مرجعية تشاورية حديثة قادرة على التفاعل مع التحديات.
الهجوم عليه ليس دليلاً على فشله، بل على العكس تماماً: هو الدليل الأكثر وضوحاً على أنه أصاب الهدف. لأن المشكلة، ببساطة، ليست في من حضر…
بل في أن أحداً قرر أن يبدأ.
المصدر : Transparency News








