إيلي إ. حرب


لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي في لبنان مجرد أدوات تواصل، بل باتت عنصرًا فاعلًا في إعادة تشكيل الانقسام السياسي والطائفي. فالاستخدام الكثيف للمنصات إلى جانب ضعف الثقة بالمؤسسات، أسهما في تعميق الاستقطاب، وتقويض المساحة المشتركة وتعقيد عملية صنع القرار السياسي. 

البنية السياسية القائمة على التوازنات الطائفية في لبنان تجعله أكثر عرضة لتأثيرات الاستقطاب. وانتشار وسائل التواصل أدخلت الإنقسام مرحلة جديدة أكثر سرعة وخطورة، تماما مثلما حصل الأسبوع الماضي من انقسامات حادة هددت بانفلات الوضع في أعقاب نشر فيديوهات مضادة طاولت رموزا دينية صنفت بالخطرة على السلم الأهلي. 

في لبنان وبحسب إحصاء يعود الى عام 2024، ينتشر الإنترنت في أوساط السكان بنسبة 89% وتقارب نسبة  استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ال 78%. ومتوسط التفرغ على المنصات يتراوح بين 3 و4 ساعات يوميا. 

تشير هذه الأرقام إلى أن الغالبية الساحقة من اللبنانيين باتت تتلقى الأخبار وتبني مواقفها عبر هذه الوسائل. في المقابل تشير تقارير أخرى إلى أن أقل من 20 في المئة من اللبنانيين يثقون بالحكومة وأن نسبة مماثلة تثق بالأحزاب السياسية ، فيما يتابع  60% من المستخدمين محتوى يتوافق مع آرائهم السياسية، بينما يتابع أقل من 30%  بشكل منتظم آراء معارضة. 

بحسب  تقارير منظمة "سمكس "  تدل الإحصاءات إلى ارتفاع ملحوظ في تداول الأخبار غير المؤكدة خلال الأزمات. فمثلا تضمنت آلاف المنشورات معلومات غير دقيقة خلال الأيام الأولى التي تبعت انفجار مرفأ بيروت. أكثر من 10 ملايين تفاعل في أسبوع سجل حينها على المنصات الرئيسية وبرز فيها انقسام حاد في تحميل المسؤوليات للأطراف سياسية.

في 17 تشرين الثاني  2019 تصدرت الوسوم المرتبطة بالاحتجاجات المنصات لأسابيع وسط انقسام بين سرديتي الثورة والمؤامرة. 

ومنذ الحرب الأخيرة القائمة، سجل  ارتفاع كبير في التفاعل مع المحتوى المرتبط بقرار حزب الله مواصلة القتال بين المؤيدين والمعارضين مع تصاعد اللغة العدائية. في حرب إسناد إيران ارتفع التفاعل مع المحتوى المرتبط بالجنوب بنسبة تقديرية تراوحت بين 120% و180% خلال فترات التصعيد مقارنة بالأشهر الهادئة التي سبقتها. فتم تسجيل ما بين 2 إلى 4 ملايين تفاعل أسبوعي (إعجابات، مشاركات، تعليقات) على المنصات الرئيسية وسجل انتشار واسع لمقاطع الفيديو القصيرة، حيث شكّلت أكثر من 60% من المحتوى المتداول. 

وبحسب دراسات أولية منشورة، انقسم المتفاعلون بين سردية الردع والدفاع المؤيدة لاستمرار العمليات العسكرية وبين سردية تحييد لبنان ورفض الانخراط فيها. وترافقت مع تصعيد في استخدام التعبئة العاطفية وزيادة في الخطاب العدائي والتخويني. كما انتشرت مقاطع غير موثقة أو قديمة أُعيد نشرها باعتبارها أحداثًا جارية تمّ تداولها بسرعة ما صعب عمليات التحقق منها. 

نتج عن الانقسام تأثير على الرأي العام وصناع القرار مع مطالبات متناقضة بين التهدئة والتصعيد، وتحوّلت المنصات إلى أداة استفتاء غير رسمي يعكس اتجاهات الرأي العام وبات القرار السياسي يقابل فورا بحملات دعم أو رفض واسعة، ما انعكس على الاستقرار الداخلي. فانتقل التوتر الأمني إلى الأوساط الاجتماعية، وتصاعد التلاسن الخطابي بين المكونات، وزاد القلق العام المرتبط باحتمال توسّع النزاع، وتراجعت الثقة مرة أخرى  بالمؤسسات الرسمية في إدارة الأزمات. 

ارتدادات ما يحدث يلقي بظلاله على النظام السياسي الهش أصلا ويزيد من تعقيد صنع القرار. فالضغط الشعبي من خلال وسائل التواصل يشل التسويات السياسية باعتبار أن كل تنازل أو تراجع من طرف يفسر خسارة أمام جمهوره. كما تصاعدت الشعبوية باستخدام السياسيين المنصات لتعبئة مناصريهم مباشرة بخطابات حادة لزيادة التفاعل. ومع تعدد السرديات السياسية المتناقضة تضعف الدولة وتضمحل القواسم المشتركة لا بل تغيب، وتحل مكانها الانقسامات الطائفية وتتراجع الثقة بين المكونات ويزداد الاستقطاب الى حد رفض الآخر ورفض مناقشته.


المصدر : Transparency News