هنري ضومط


منذ منتصف الستينيات، لم يكن التوغّل الفلسطيني المسلّح في لبنان حدثًا عابرًا، بل مسارًا تراكميًا جرى تغطيته سياسيًا وتبريره واحتضانه من قوى الحركة الوطنية ومن دار في فلكها السياسي، والتي رأت فيه أداةً لتعديل موازين الداخل انطلاقًا من مناصرة قضيةٍ أوسع. ومع انتقال العمل "الفدائي" إلى الأراضي اللبنانية، تحوّلت الحدود الجنوبية تدريجيًا إلى منصّة مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، خارج قرار الدولة اللبنانية وإرادتها.

هذا الواقع لم يمرّ من دون أثمان. فالدعم السياسي والعسكري للعمليات الفلسطينية المنطلقة من لبنان وضع البلاد في حالة حرب مستمرّة، وفتح الباب أمام إسرائيل لاستخدام هذه العمليات كذريعة للتوغّل داخل الأراضي اللبنانية. ومع تصاعد المواجهات، كان المسار يتّجه حتمًا نحو الانفجار الكبير، الذي تجسّد في اجتياح عام 1982، حيث كان الهدف المعلن طرد مسلّحي منظمة التحرير الفلسطينية من الجنوب ومن بيروت.

المفارقة التي لا يمكن تجاهلها أن القوى نفسها التي غطّت العمل الفلسطيني المسلّح ووفّرت له الشرعية السياسية وقاتلت إلى جانبه، عادت لاحقًا لتعارض أي مسار تفاوضي جدّي لإنهاء الحرب، بما في ذلك اتفاق 17 أيار عام 1983 بين لبنان وإسرائيل. فبدل أن تشكّل تلك اللحظة فرصة لانتشال لبنان من دوامة الصراع، جرى الانقلاب عليها، وتمّت مواجهتها بالسلاح، ما أعاد البلاد إلى نقطة تحت الصفر وتكرّس آنذاك منطق الصراع المفتوح على حساب الاستقرار.

هكذا، لم يكن لبنان ضحية الجغرافيا فقط، بل ضحية خيارات سياسية داخلية ربطت مصيره بصراعات لا يملك قرارها. فبدل أن يُبنى كدولة طبيعية، أُقحم في حروب لا علاقة له بها، وضاعت توازناته الداخلية، وخسر فرصًا تاريخية للخروج من دوامة العنف.

اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يعود المشهد نفسه بأشكال مختلفة. فلبنان يقف مجددًا أمام واقع سلاح خارج إطار الدولة، وهذه المرّة مرتبط بإيران التي بحثت وتبحث عن توازن هشّ مع إسرائيل في المنطقة فقدت وتفقد أوراقه الاخيرة، كما كان سابقًا تحت المظلّة السورية مع الفصائل الفلسطينية. والنتيجة واحدة، قرار الحرب والسلم ليس بيد الدولة، والبلاد رهينة صراعات تتجاوز حدودها.

في المقابل، يتحدّث مناصرو سلاح حزب الله، الذي جلب الحرب إلى لبنان، عن ضرورة إعادة إعماره، وعن ضرورة إنهاء الاحتلال وضرورة عودة الأسرى. وهي أهداف لا يمكن أن تتحقق بالشعارات وحدها. فالتجربة السابقة والحالية تثبت أن المدخل الحقيقي لأي حلّ يمرّ عبر مسارين متوازيين لا ينفصلان: أولًا، الذهاب إلى مفاوضات جدّية ومباشرة بين لبنان وإسرائيل، تضع حدًا نهائيًا لحالة الحرب المستمرّة منذ عقود وتؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار. ثانيًا، إنهاء كل أشكال السلاح غير الشرعي داخل لبنان، بحيث تستعيد الدولة وحدها قرار الحرب والسلم، وتكون القوى المسلّحة الشرعية وحدها المولجة بحمل السلاح على الأرض اللبنانية.

من دون هذين المسارين، سيبقى الحديث عن إعادة الإعمار مجرّد تمنيات. فلا استثمارات سعوديّة ستأتي، ولا غيرها من الاستثمارات التي قد تأتي من أصدقاء لبنان، في ظلّ الفوضى؛ ولا استقرار في ظلّ ازدواجية السلاح؛ ولا دولة في ظلّ تعدّد مراكز القرار.

الفرق اليوم أن الظروف تغيّرت. فلا معادلات الماضي قائمة، ولا توازنات الأمس قابلة للاستنساخ. لم يعد هناك ما يسمح بإعادة إنتاج تجارب ك"6 شباط"، ولا بيئات مجاورة تحتضن استمرار الفوضى كما في السابق، ما يعني أن الاستمرار في النهج نفسه لن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: المزيد من الحرب.

من هنا، فإن من يريد فعلًا أن يرى الجنوب اللبناني يُبنى من جديد، لا يكفي أن يعبّر عن امتعاضه من مشاهد الدمار في السرّ، بل عليه أن يختار بوضوح: إما السير في طريق الحلّ، عبر المفاوضات المباشرة مع إسرائيل وإنهاء السلاح غير الشرعي، أو البقاء في منطق الهروب إلى الأمام، الذي لم ينتج يومًا سوى الحروب الدائمة.

وفي لحظة الحقيقة التي دقّت ساعتها، لن تكون المراوغة ممكنة كما يفعل رئيس المجلس النيابي نبيه بري اليوم. فإمّا أن يكون مع قيام الدولة، بشكل مباشر، ومع مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وسحب مباشر للسلاح غير الشرعي لإنهاء الحرب، وإمّا قد تستمرّ هذه الحرب وربما تزداد مشاهد الدمار والخراب في جنوب لبنان وكل لبنان. وفي العمق يبقى السؤال: هل يريد بري أن يتذكّره الجنوبيون في أسباب الدمار أم في اقتناص فرصة العودة والإعمار؟


المصدر : Transparency News