فؤاد مخزومي وإعادة بلورة الدور السنّي في لبنان: نحو رؤية وطنية جامعة في مرحلة التحوّلات
04-05-2026 04:50 PM GMT+03:00
في لحظة سياسية لبنانية تتّسم بتعقيد بالغ، وتداخل غير مسبوق بين الأزمات الدستورية والأمنية والاقتصادية، يبرز اسم سعادة النائب المهندس فؤاد مخزومي بوصفه أحد أبرز الفاعلين في المشهد السنّي والبيروتي، لا من موقع الحضور النيابي فحسب، بل من موقع المبادرة السياسية والسعي إلى إعادة تنظيم الموقف السنّي ضمن إطار وطني جامع. فمنذ سنوات، يحاول مخزومي أن يقدّم نموذجاً سياسياً يقوم على الجمع بين الثوابت الوطنية اللبنانية، والامتداد العربي الطبيعي، والحضور البيروتي التاريخي، بما يجعل دوره يتجاوز حدود التمثيل التقليدي إلى موقع المرجعية السياسية القادرة على جمع الأطراف وتوحيد العناوين الكبرى.
إن الحديث عن النائب فؤاد مخزومي بوصفه «مرجعية» سنّية لا يأتي من فراغ، ولا يستند إلى خطاب عاطفي أو توصيف إعلامي عابر، بل يرتبط بسلسلة من المبادرات والاجتماعات والمواقف التي عكست حرصاً واضحاً على إعادة تفعيل الدور السنّي في الحياة السياسية اللبنانية. فقد شهدت المرحلة الأخيرة محاولات جدّية لجمع النواب السنّة حول قضايا أساسية، وفي مقدّمها تثبيت مرجعية الدولة، والدفاع عن اتفاق الطائف، وتأكيد ضرورة أن تكون بيروت، بوصفها العاصمة السياسية والوطنية، مدينة منزوعة السلاح، خاضعة حصراً لسلطة الدولة ومؤسساتها الشرعية.
ومن هنا، تكتسب اللقاءات التي يرعاها مخزومي أهمية خاصة، لأنها لا تندرج في إطار لقاءات بروتوكولية أو مناسباتية، بل تحمل في مضمونها محاولة لإنتاج موقف سياسي واضح في مرحلة لم تعد تحتمل الالتباس أو الغموض. فلبنان اليوم يقف أمام تحديات مصيرية تتصل بمستقبل الدولة، وبطبيعة النظام السياسي، وبالعلاقة بين المؤسسات الشرعية والقوى المسلحة خارج إطارها، فضلاً عن موقع لبنان في محيطه العربي والدولي. وفي هذا السياق، يصبح وجود مرجعية سنّية قادرة على جمع النواب، وطرح عناوين جامعة، مسألة ضرورية لا ترفاً سياسياً.
لقد جاءت العناوين الستة التي طُرحت بوصفها ملامح لـ«الرؤية السنّية» في لبنان لتعبّر عن محاولة واضحة لإعادة توحيد الخطاب السياسي داخل الشارع السنّي، انطلاقاً من ثوابت وطنية لا فئوية. وهذه العناوين تبدأ أولاً من التأكيد على مرجعية الدستور اللبناني واتفاق الطائف بوصفهما الإطار الناظم للحياة السياسية، والقاعدة التي ينبغي أن تُبنى عليها أي مقاربة إصلاحية أو سيادية. فاتفاق الطائف، بما يمثّله من تسوية تاريخية أنهت الحرب الأهلية وأعادت توزيع السلطات على قاعدة المناصفة والشراكة، لا يزال يشكّل بالنسبة إلى المكوّن السنّي، كما إلى قطاعات واسعة من اللبنانيين، ضمانة أساسية لوحدة الكيان واستقرار النظام.
أما العنوان الثاني، فيتمثل في دعم رئيس الحكومة نواف سلام في تنفيذ قرارات الحكومة، ولا سيما تلك المرتبطة بحصر السلاح بيد الدولة. وهذا الموقف لا يمكن فصله عن النظرة الدستورية إلى موقع رئاسة الحكومة ودورها في النظام اللبناني بعد الطائف. فدعم رئيس الحكومة، في هذه المرحلة، لا يعني اصطفافاً شخصياً أو سياسياً ضيقاً، بل يعكس تمسّكاً بالمؤسسات الدستورية وضرورة تمكينها من ممارسة صلاحياتها كاملة، بعيداً عن الضغوط أو التعطيل أو ازدواجية القرار.
ويأتي ملف السلاح في صلب هذه الرؤية، باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في لبنان. فالقول بضرورة حصرية السلاح بيد الدولة ليس موقفاً موجّهاً ضد طائفة أو جماعة بعينها، بل هو مبدأ تأسيسي في أي دولة حديثة. إذ لا يمكن قيام دولة مكتملة السيادة في ظل تعدّد مصادر القرار الأمني والعسكري، ولا يمكن بناء اقتصاد مستقر أو نظام سياسي متوازن في ظل وجود قوى مسلحة تعمل خارج الإطار الشرعي. ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى الشروع الجدي في تنفيذ حصرية السلاح بيد الدولة تعبّر عن التزام بمنطق الدولة لا بمنطق الغلبة، وعن رغبة في إعادة الاعتبار إلى الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية الشرعية بوصفها المرجع الوحيد لحماية البلاد والناس.
وفي السياق ذاته، تندرج المقاربة المتعلقة بالعمل الأمني والعسكري لحزب الله، حيث ترى هذه الرؤية أن أي نشاط مسلح خارج سلطة الدولة يطرح إشكالية قانونية وسيادية كبرى. فالخلاف هنا ليس خلافاً ظرفياً أو إعلامياً، بل هو خلاف حول مفهوم الدولة نفسها: هل تكون الدولة صاحبة القرار الحصري في الحرب والسلم، أم يبقى القرار موزعاً بين مؤسسات رسمية وقوى أمر واقع؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تحدد مستقبل لبنان، ليس فقط على المستوى الأمني، بل أيضاً على مستوى علاقاته العربية والدولية، وقدرته على استعادة الثقة والاستقرار.
ومن بين العناوين المطروحة أيضاً الدفع نحو التقدّم في مسار التفاوض المباشر بين لبنان والعدو الإسرائيلي، وذلك من منطلق حماية المصالح اللبنانية العليا، لا من منطلق التنازل أو التفريط بالحقوق. فالسياسة الواقعية، في اللحظات التاريخية الدقيقة، تفرض البحث عن آليات تفاوضية تضمن حقوق لبنان، وتمنع استنزافه في مواجهات مفتوحة لا يملك شعبه ترف تحمّل نتائجها. ومن هنا، فإن أي مسار تفاوضي ينبغي أن يكون مضبوطاً بسقف السيادة اللبنانية، وقرارات الشرعية الدولية، ومصلحة الدولة اللبنانية وحدها.
كما أن التشديد على الابتعاد عن الخطاب التحريضي يمثّل بُعداً بالغ الأهمية في هذه الرؤية. فلبنان، بحكم تركيبته التعددية، لا يحتمل تصعيداً خطابياً يوقظ الانقسامات أو يعمّق الشرخ بين مكوّناته. والشارع السنّي، الذي دفع أثماناً باهظة في مراحل سابقة نتيجة الاحتقان السياسي والفراغ القيادي، يحتاج اليوم إلى خطاب عقلاني هادئ، يحفظ الكرامة والحقوق، لكنه في الوقت نفسه يرفض الانجرار إلى الفتنة أو الاستقطاب الطائفي. وهنا تظهر أهمية الدور الذي يسعى مخزومي إلى أدائه، أي دور الجامع لا المحرّض، والمبادر لا المنتظر.
ولا تقلّ مسألة قانون العفو العام أهمية عن الملفات السيادية والدستورية، لأنها تمسّ شريحة واسعة من اللبنانيين، ولا سيما داخل البيئة السنّية. فالمطالبة بإقرار قانون عفو عام «عادل وشامل» تعبّر عن إدراك لوجود جراح اجتماعية وقضائية وسياسية لم تُعالج بعد، وعن ضرورة مقاربة هذا الملف بعيداً عن الانتقائية والكيدية. إن العفو العام، إذا صيغ بطريقة عادلة ومسؤولة، يمكن أن يشكّل خطوة باتجاه المصالحة الداخلية، شرط ألا يتحوّل إلى وسيلة للإفلات من العقاب في الجرائم الكبرى، أو إلى أداة سياسية تستخدم وفق موازين القوى.
إن فكرة اللقاء السنّي الذي رعاه النائب مخزومي لم تكن وليدة لحظة عابرة، بل جاءت نتيجة نقاشات سابقة حول ضرورة أن يكون لممثلي هذا المكوّن حضور فاعل في المرحلة الراهنة. فقد شعر كثيرون بأن الواقع السياسي السنّي يحتاج إلى إعادة تنظيم، لا بمعنى خلق اصطفاف مذهبي مغلق، بل بمعنى بلورة موقف واضح من القضايا الوطنية الكبرى. فالغياب أو التشتت في لحظات التحوّل يترك فراغاً خطيراً، والفراغ في السياسة اللبنانية غالباً ما تملؤه قوى أخرى، أو تُفرض من خلاله معادلات لا تعبّر بالضرورة عن المزاج الحقيقي للناس.
ومن هذا المنطلق، برزت الحاجة إلى لقاءات ذات طابع سنّي، هدفها الأساسي إعادة وصل ما انقطع بين النواب والشارع، وبين الموقف السياسي والهموم اليومية، وبين الثوابت الوطنية والحاجات المعيشية والاجتماعية. وقد كان مخزومي سبّاقاً في رعاية اجتماع نيابي بيروتي موسع دعماً لرئيس الحكومة، عقب القرار المتصل بجعل بيروت منزوعة السلاح. وفي ذلك الاجتماع، برز توافق بين النائب مخزومي والنائب وضاح الصادق ونائبي جمعية الأحباش طه ناجي وعدنان طرابلسي على ضرورة عدم الاكتفاء بالإطار البيروتي العام، بل الذهاب نحو لقاء سنّي أوسع، أكثر تحديداً في عناوينه وأكثر وضوحاً في مقاربته السياسية.
لقد شكّل هذا المسار مؤشراً على قدرة مخزومي على المبادرة السياسية، وعلى امتلاكه شبكة علاقات تسمح له بجمع شخصيات نيابية متعددة المشارب والتوجهات. فاللقاء الذي ضم، إلى جانب مخزومي، كلاً من وضاح الصادق وطه ناجي وعدنان طرابلسي وبلال الحشيمي وإيهاب مطر وأحمد الخير ومحمد سليمان وبلال عبد الله ومحمد يحيى، عكس وجود مساحة مشتركة يمكن البناء عليها، رغم التباينات الطبيعية التي تحكم الحياة السياسية. فالتعدد داخل البيت السنّي ليس نقطة ضعف بالضرورة، بل قد يكون مصدر غنى إذا أُدير ضمن إطار من الحوار والمسؤولية والالتزام بالثوابت.
أما غياب بعض الشخصيات عن اللقاء، فلا ينبغي أن يُقرأ بالضرورة بوصفه اعتراضاً على موقع مخزومي أو إنكاراً لدوره، بل يمكن فهمه في إطار التباينات السياسية حول بعض البنود المطروحة على جدول الأعمال. فالعمل السياسي، بطبيعته، يقوم على الاختلاف في التقدير والمقاربة، ولا يجوز تحويل كل غياب إلى مادة للتشكيك أو التأويل أو إثارة الانقسام. بل إن الأهم هو أن مسار التشاور قد بدأ، وأن فكرة جمع النواب السنّة حول رؤية مشتركة باتت مطروحة بجدية، وأن بيروت استعادت شيئاً من دورها بوصفها مركزاً للحوار السياسي الوطني.
في هذا الإطار، يمكن القول إن الكتل والشخصيات السنّية، برعاية مخزومي ومبادرته، استعادت قدراً من التماسك والحضور. وهذا التماسك لا يعني إلغاء التعدد أو فرض زعامة أحادية، بل يعني وجود مرجعية قادرة على إدارة الحوار، وتحديد الأولويات، ومنع تشتت الموقف في لحظة مصيرية. فالزعامة السياسية، في معناها العميق، لا تُقاس فقط بعدد المؤيدين أو بحجم الحضور الإعلامي، بل تُقاس بالقدرة على المبادرة، وبامتلاك رؤية، وبالاستعداد لتحمّل مسؤولية الموقف في الأوقات الصعبة.
ومن هذه الزاوية، يقدّم النائب فؤاد مخزومي نفسه بوصفه شخصية سياسية تمتلك مقومات الدور الوطني: حضور بيروتي وازن، علاقات عربية وخليجية، خطاب سيادي واضح، وميل إلى العمل المؤسساتي. كما أن موقعه في العاصمة يمنحه رمزية خاصة، لأن بيروت ليست دائرة انتخابية فحسب، بل هي مرآة لبنان السياسية والثقافية، ومركز الثقل السنّي التاريخي، وواجهة الدولة في الداخل والخارج. ومن ينجح في مخاطبة بيروت، وفي التعبير عن هواجسها وآمالها، يستطيع أن يتقدّم خطوة جدية في اتجاه لعب دور وطني أوسع.
ولذلك، فإن محاولات التقليل من أهمية مبادرات مخزومي أو تصويرها بوصفها تحركاً ظرفياً تبدو غير منصفة، لأنها تتجاهل السياق الأوسع الذي نشأت فيه هذه المبادرات. فالبلد يمر بمرحلة تتطلب قيادات تمتلك الجرأة على طرح الملفات الشائكة، من السلاح إلى الطائف، ومن موقع رئاسة الحكومة إلى علاقة لبنان بمحيطه العربي، ومن قانون العفو العام إلى إعادة الاعتبار للدولة. وفي مثل هذه المرحلة، لا يكفي الخطاب الرمادي، ولا تنفع الحسابات الصغيرة، بل يحتاج الشارع إلى من يملك وضوحاً في الرؤية واستعداداً للمواجهة السياسية السلمية والدستورية.
إن فؤاد مخزومي، بما يمثّله من حضور سياسي واقتصادي واجتماعي في العاصمة، وبما يطرحه من عناوين متصلة بسيادة الدولة وتحصين المؤسسات، يبدو واحداً من أبرز الأسماء المطروحة للعب دور متقدم في المرحلة المقبلة. والحديث عن كونه مرشحاً بارزاً لرئاسة الحكومة في مرحلة لاحقة لا ينفصل عن هذا السياق، بل يستند إلى جملة عوامل، منها حجمه في بيروت، وقدرته على التواصل، ووضوح مواقفه، وحضوره العربي، فضلاً عن جرأته في مقاربة الملفات التي يتردد كثيرون في الاقتراب منها.
غير أن أهمية هذا الدور لا تكمن فقط في الطموح إلى موقع رئاسة الحكومة، بل في القدرة على إعادة تعريف الوظيفة السياسية للزعامة السنّية في لبنان. فالمرحلة لم تعد تسمح بزعامة تقوم على الرمزية وحدها، أو على الإرث وحده، أو على الخطاب الشعبوي وحده. المطلوب اليوم زعامة تمتلك مشروعاً، وتستند إلى المؤسسات، وتدافع عن الدولة، وتحمي اتفاق الطائف، وتعيد وصل لبنان بعمقه العربي، وتحافظ في الوقت نفسه على السلم الأهلي والتوازن الداخلي. وفي هذا الإطار، تبدو تجربة مخزومي جديرة بالمتابعة والتحليل، لأنها تعبّر عن محاولة لملء فراغ سياسي واضح، ولإعادة إنتاج دور سنّي فاعل ضمن المعادلة الوطنية.
وخلاصة القول، إن اللقاءات التي يرعاها النائب فؤاد مخزومي ليست مجرد تفصيل في الحياة السياسية اللبنانية، بل هي مؤشر إلى تحوّل أعمق داخل البيئة السنّية والبيروتية. فهذه البيئة، التي عانت في السنوات الماضية من التشتت والفراغ والتراجع، تبدو اليوم أمام محاولة جديدة لاستعادة المبادرة، عبر خطاب يقوم على الدستور والطائف وسيادة الدولة وحصرية السلاح والاعتدال السياسي والانفتاح العربي. ومن هنا، فإن مخزومي لا يتحرك بوصفه نائباً عن بيروت فحسب، بل بوصفه شخصية تسعى إلى إعادة بناء مرجعية سياسية قادرة على تمثيل تطلعات شريحة واسعة من اللبنانيين، وفي مقدّمهم أبناء العاصمة.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة ستكشف مدى قدرة هذه المبادرة على التحول من لقاءات سياسية إلى مسار مؤسسي مستدام، ومن عناوين عامة إلى برنامج عمل واضح. غير أن ما بات ثابتاً حتى الآن هو أن فؤاد مخزومي نجح في فرض نفسه رقماً أساسياً في المعادلة السنّية والبيروتية، وأن محاولات التشويش على دوره أو التقليل من حضوره لن تلغي حقيقة أن بيروت تحتاج اليوم إلى صوت واضح، وإلى قيادة قادرة على جمع كلمتها، والدفاع عن موقعها، وحماية دورها الوطني. وفي هذا المعنى، فإن مخزومي يقدّم نفسه، شاء من شاء وأبى من أبى، بوصفه أحد أبرز وجوه المرحلة المقبلة، ومرجعية سياسية لا يمكن تجاوزها في أي نقاش جدي حول مستقبل بيروت والدور السنّي في لبنان.
المصدر : Transparency News








