من المكتب إلى المرض: آثار الجلوس الطويل تتفاقم
05-05-2026 01:43 PM GMT+03:00
يقضي كثير من الأشخاص ساعات طويلة يومياً في الجلوس، سواء أمام المكاتب أو الشاشات أو خلال الاجتماعات، وقد تصل هذه المدة إلى عشر ساعات يومياً. ولم يعد هذا النمط سلوكاً عادياً، بل بات يُصنف كعامل خطر صحي قد يوازي بعض العادات الضارة المعروفة.
وتشير دراسات متزايدة إلى أن الجلوس لفترات طويلة يرتبط بمخاطر صحية جدية، من بينها أمراض القلب والأوعية الدموية، وداء السكري من النوع الثاني، إضافة إلى ارتفاع احتمالات الوفاة المبكرة.
ورغم أن الخطاب الصحي يركز عادة على أهمية ممارسة الرياضة واتباع نظام غذائي متوازن، وهي توصيات ضرورية، فإنها لا تكفي وحدها. فحتى الأفراد الذين يمارسون الرياضة بانتظام قد يواجهون مخاطر صحية إذا كانوا يقضون معظم يومهم في حالة من الجلوس المستمر.
ويُفرّق الخبراء بين "قلة النشاط البدني" و"السلوك الخامل". فالأولى تعني عدم ممارسة التمارين الكافية، بينما يشير السلوك الخامل إلى الجلوس أو الاستلقاء لفترات طويلة مع حد أدنى من الجهد البدني، ما يعني أن الشخص قد يكون نشيطاً رياضياً لكنه يظل خاملاً لساعات طويلة.
ويؤدي الجلوس المطوّل إلى تغيّرات فسيولوجية داخل الجسم، إذ ينخفض نشاط العضلات وتتراجع قدرة الجسم على تنظيم مستويات السكر في الدم، ما قد يساهم في مقاومة الإنسولين والإصابة بداء السكري من النوع الثاني. كما يتباطأ حرق الدهون ويضعف تدفق الدم، ما يؤثر على صحة الأوعية الدموية ويرفع خطر ارتفاع ضغط الدم.
ومع استمرار هذه التغيرات، تزداد احتمالات الإصابة بمشكلات القلب، وارتفاع الكوليسترول، وتراكم الدهون في منطقة البطن. كما ينعكس الجلوس الطويل سلباً على الجهاز العضلي الهيكلي، مسبباً آلام الرقبة والكتفين وأسفل الظهر، خصوصاً لدى العاملين في المكاتب.
ولا تقتصر التأثيرات على الجانب الجسدي، إذ يرتبط الخمول لفترات طويلة بانخفاض مستويات التركيز والطاقة، وزيادة الشعور بالإرهاق، ما يؤثر سلباً على الإنتاجية اليومية.
وتشير تقديرات عالمية إلى أن الخمول البدني يساهم في وفاة ما بين أربعة إلى خمسة ملايين شخص سنوياً، ما يدفع الخبراء إلى التأكيد على أهمية تقليل وقت الجلوس، إلى جانب ممارسة النشاط البدني.
ويُعد مكان العمل من أكثر البيئات تأثيراً في هذا السلوك، نظراً لقضاء معظم ساعات اليقظة فيه. لذلك تبرز الحاجة إلى إدخال تغييرات بسيطة يمكن أن تُحدث فرقاً ملموساً دون الحاجة إلى حلول معقدة.
وتوضح الدراسات أن الوقوف أو الحركة لبضع دقائق كل نصف ساعة إلى ساعة يساعد في تحسين استقلاب السكر وتقليل المخاطر المرتبطة بالقلب. كما أن اعتماد عادات مثل أخذ فترات راحة قصيرة، أو عقد اجتماعات أثناء المشي، أو الوقوف أثناء المكالمات، يمكن أن يكون فعالاً.
وبدأت بعض المؤسسات بالفعل بتطبيق هذه التوجهات، من خلال توفير مكاتب قابلة لتعديل الارتفاع، وتشجيع الحركة داخل بيئة العمل، وتخصيص مساحات للمشي أو استخدام السلالم بدلاً من المصاعد.
وأظهرت دراسات أُجريت في بريطانيا أن هذه الإجراءات تسهم في تقليل وقت الجلوس اليومي بنحو ساعة إلى ساعة ونصف، مع تحسن ملحوظ في مستويات الطاقة والتركيز والراحة الجسدية لدى الموظفين.
وفي المحصلة، تؤكد الأدلة أن ممارسة الرياضة وحدها لا تعوّض آثار الجلوس الطويل، وأن الحفاظ على الصحة في العصر الحديث يتطلب إعادة تصميم يوم العمل بحيث تصبح الحركة جزءاً أساسياً من الروتين اليومي.
المصدر : وكالات








