خاص - بين لبنان وسوريا… عهد جديد
09-05-2026 04:50 PM GMT+03:00
فالحديث اليوم لم يعد عن “عنجر” ولا عن غرف الاستخبارات التي كانت تتحكم بتفاصيل الحياة السياسية اللبنانية، ولا عن زعماء وسياسيين وإعلاميين كانوا يزحفون على طريق بيروت ـ دمشق طلباً للسلطة أو الحماية أو النفوذ. هذا المشهد الذي طبع مرحلة حافظ الأسد ومن بعده بشار الأسد، كان أحد أكثر المشاهد إذلالاً للحياة السياسية اللبنانية، حين تحولت دمشق بالنسبة إلى جزء من الطبقة السياسية اللبنانية إلى مركز تعيينات وإقالات وتصفية حسابات وإعادة تركيب للسلطة في بيروت.
لسنوات طويلة، لم تكن العلاقة بين لبنان وسوريا علاقة دولتين، بل علاقة وصاية وهيمنة. كانت الدولة اللبنانية تُدار من الخارج، وكانت مؤسساتها تُخترق لمصلحة النظام الأمني السوري وتحالفاته المحلية. كثيرون في لبنان بنوا نفوذهم وثرواتهم السياسية تحت سقف تلك المرحلة، وكثيرون كانوا مستعدين للتخلي عن السيادة اللبنانية مقابل تثبيت مواقعهم داخل السلطة.
لكن ما يجري اليوم مختلف بالكامل، أو على الأقل هناك محاولة جدية لأن يكون مختلفاً.
زيارة نواف سلام إلى دمشق حملت عنواناً أساسياً: الانتقال من منطق الوصاية إلى منطق المصالح المشتركة بين دولتين مستقلتين. وهذا ما ظهر في الحديث عن إنشاء مجلس أعمال لبناني ـ سوري مشترك، وفتح الباب أمام مشاريع اقتصادية واستثمارية متبادلة، وإعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين على قاعدة واضحة: لا تبعية ولا استخدام سياسي ولا استغلال أمني، بل تعاون يخدم الشعبين اللبناني والسوري.
هذه النقطة بالذات أساسية. لأن لبنان وسوريا بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح الاقتصادية لا يستطيعان إلغاء بعضهما البعض، لكن في المقابل لا يمكن العودة إلى النموذج السابق الذي كانت فيه الحدود السياسية قائمة شكلياً فقط، فيما القرار اللبناني الفعلي يُصنع خارج بيروت.
ومن هنا تأتي أهمية الرسائل السياسية التي رافقت هذا المسار الجديد. فلبنان الرسمي يحاول التأكيد أن أراضيه لن تكون منصة لاستهداف سوريا، وهذا أمر طبيعي ومنطقي في إطار أي علاقة مستقرة بين دولتين. لكن في المقابل، هناك أيضاً رسالة لبنانية واضحة بأن زمن فتح الأبواب أمام الوصاية الأمنية والسياسية قد انتهى، وأن العودة إلى مرحلة “الزحف” السياسي نحو دمشق لم تعد مقبولة لبنانياً.
اللبنانيون لا يريدون عداء مع سوريا، لكنهم أيضاً لا يريدون إعادة إنتاج مرحلة الإذلال السياسي التي عاشها لبنان لعقود. يريدون علاقة طبيعية، متوازنة، مستقرة، قائمة على المصالح الاقتصادية والسيادة المتبادلة، لا على الخوف ولا على التبعية ولا على تحكم الأجهزة الأمنية بمفاصل القرار اللبناني.
والأهم أن التحولات الإقليمية التي تشهدها المنطقة تجعل هذا النوع من العلاقات أكثر ضرورة من أي وقت مضى. فالشرق الأوسط كله يدخل مرحلة إعادة ترتيب واسعة، والاقتصاد بات العنوان الأساسي للمرحلة المقبلة. من هنا، فإن أي استقرار في العلاقة بين بيروت ودمشق يفتح تلقائياً الباب أمام مشاريع نقل واستثمار وتجارة وإعادة إعمار وربط اقتصادي يمكن أن يستفيد منه الطرفان.
لكن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بشرط أساسي: ألا يعود لبنان مرة جديدة إلى ساحة نفوذ أو صندوق بريد للصراعات الإقليمية. لأن المشكلة في الماضي لم تكن فقط في الدور السوري داخل لبنان، بل أيضاً في الطبقة السياسية اللبنانية التي ارتضت لنفسها أن تكون جزءاً من منظومة الوصاية، وأن تدير البلاد بعقلية التبعية لا بعقلية الدولة.
ولهذا تحديداً، فإن المرحلة الجديدة تحتاج إلى مقاربة مختلفة بالكامل. لا شعارات عدائية فارغة، ولا حنين إلى زمن الوصاية، ولا محاولات لإعادة إنتاج المنظومات القديمة بأشكال جديدة. المطلوب ببساطة هو بناء علاقة طبيعية بين بلدين طبيعيين.
لبنان يحتاج إلى سوريا مستقرة اقتصادياً وأمنياً، وسوريا تحتاج إلى لبنان مستقر ومنفتح وغير معادٍ. أما زمن السياسيين الذين كانوا يزحفون على طريق دمشق بحثاً عن الرضى الأمني والسياسي، فهو زمن يفترض أن يكون قد انتهى مع سقوط مرحلة كاملة من تاريخ المنطقة.
هذا هو التحدي الحقيقي اليوم: أن تتحول العلاقة اللبنانية ـ السورية من علاقة خوف وهيمنة وتدخلات إلى علاقة مصالح وسيادة واحترام متبادل. وإذا نجحت هذه المحاولة، فقد تكون للمرة الأولى منذ عقود بداية فعلية لعهد جديد بين البلدين.
المصدر : Transparency News








