العفو العام في لبنان: عندما تتحول العدالة إلى قيد طائفي
15-05-2026 08:26 PM GMT+03:00
في لبنان، لا يكاد يُطرح ملف العفو العام حتى تنكشف طبيعة الأزمة العميقة التي يعيشها النظام السياسي والاجتماعي. فالنقاش لا يدور حول العدالة، ولا حول إصلاح القضاء أو معالجة الاكتظاظ في السجون أو ضمان المحاكمات العادلة، بل يتحول سريعاً إلى بازار طائفي مفتوح، وكأن المطلوب ليس قانوناً للدولة بل تسوية بين الجماعات.
المفارقة المؤلمة أن كل طائفة باتت تُختزل بملف أمني أو جنائي محدد. المسيحيون يُربطون بملف العمالة لإسرائيل، السنة بملفات الإرهاب والتطرف، والشيعة بملفات المخدرات والتهريب. وهكذا، لم يعد الفرد يُحاسب على فعله الشخصي، بل أصبحت الطائفة كلها تُحمَّل صورة نمطية ثقيلة، تُستخدم في السياسة والإعلام والخطاب الشعبي.
هذا الأمر يكشف خللاً أخطر من مجرد الانقسام السياسي، لأنه يعكس انهيار مفهوم المواطنة نفسه. ففي الدول الطبيعية، الجريمة مسؤولية فردية، أما في لبنان فتتحول بسرعة إلى مادة للتصنيف الجماعي. يصبح النقاش: “ماذا ستأخذ هذه الطائفة؟ وماذا سيُعفى عن تلك الطائفة؟” لا “ما هو معيار العدالة؟”.
الأخطر أن هذا الخطاب يكرّس في وعي اللبنانيين فكرة أن كل جماعة تملك “جرائمها الخاصة”، وكأن لبنان ليس دولة واحدة بل مجموعة جزر أمنية وطائفية تعيش تحت سقف هش. وهذا يفتح الباب أمام تبادل الاتهامات والشكوك والخوف المتبادل، ويحوّل القانون إلى أداة توازن سياسي لا إلى مرجعية أخلاقية وقضائية.
كما أن اختزال الإرهاب بطائفة معينة، أو المخدرات بطائفة أخرى، أو العمالة بطائفة ثالثة، ليس فقط ظلماً جماعياً، بل تبسيط سطحي لواقع أكثر تعقيداً. فالإرهاب يولده الفقر والتهميش والاحتقان والاستغلال السياسي، والمخدرات تنمو في ظل اقتصاد منهار وحماية نافذة وضعف الدولة، أما العمالة فهي قضية مرتبطة بتاريخ طويل من الاحتلال والانقسامات والحروب، وليست صفة جماعة دينية بعينها.
المشكلة الحقيقية أن لبنان لم يبنِ يوماً عدالة انتقالية فعلية بعد الحرب الأهلية. صدر العفو عام 1991، لكن من دون مصالحة حقيقية، ومن دون كشف للحقائق، ومن دون محاسبة أو مراجعة وطنية. فبقيت الحرب حاضرة في النفوس والخطابات والأحزاب، وانتقلت الانقسامات من ساحات القتال إلى مؤسسات الدولة والقضاء والإعلام.
ولهذا، كلما عاد الحديث عن العفو العام، يعود اللبنانيون تلقائياً إلى لغة الطوائف والخوف والهواجس التاريخية، لا إلى لغة الحقوق والقانون.
لبنان لا يحتاج إلى عفو يُقسّم الجرائم بين الطوائف، بل إلى دولة تعيد تعريف العدالة خارج القيد المذهبي. يحتاج إلى اقتصادمستقل يرى الإنسان كمواطن لا كعضو في جماعة، وإلى خطاب سياسي يتوقف عن استثمار الخوف الطائفي لتحصيل المكاسب.
فحين تصبح العدالة مرتبطة بالهوية، يفقد القانون معناه، وتصبح الطوائف أقوى من الدولة، ويصبح الوطن كله سجيناً لذاكرته وانقساماته.
المصدر : Transparency News








