منذ خمسة عشر يوماً، لا يمرّ يوم واحد من دون مقال هجومي أو “تحليل عبقري” أو فقرة تلفزيونية درامية عن مصرف لبنان. أحياناً يكون المقال عن الحكومة، لكن الهدف الحقيقي دائماً هو وضع الضغط الشخصي على هذه المؤسسة، وكأنّ البلاد لم يبقَ فيها إلا البنك المركزي كي يُحمَّل خطايا الجمهورية منذ أيام الفينيقيين.


لماذا كل هذا؟ الجواب بسيط إلى حدّ يزعجهم.

لأنّ مصرف لبنان، للمرة الأولى منذ زمن طويل، يتصرّف كمؤسسة دولة لا كمكتب خدمات. مؤسسة تقول إنها مستقلة عن النظام السياسي الشرعي… وعن النظام السياسي غير الشرعي أيضاً. مؤسسة ترفض تمويل الحكومة إلا ضمن الأموال العائدة للدولة والموجودة لديها، وترفض أن تحرق ما تبقّى من احتياطات أو أن تعبث بالاستقرار النقدي فقط لإرضاء زعيم، أو مصرفي، أو محلل اقتصادي تخرّج من جامعة “واتساب الدولية”.

أما القوى غير الحكومية في لبنان، وفي مقدمتها حزب الله، فهي لا تخفي حتى نواياها. فكلما ارتفعت نبرة الحديث عن المفاوضات في واشنطن، ارتفعت معها الرغبة في خفض قيمة الليرة اللبنانية، لأن انهيار العملة يعني إضعاف الحكومة، وإضعاف الحكومة يعني وقف المفاوضات، ووقف المفاوضات يعني أن تصبح طهران هي التي تفاوض باسم لبنان… بينما اللبنانيون يتفرجون على الشاشات ويعدّون سعر صرف الدولار كل نصف ساعة.

لكن استقلالية مصرف لبنان لا تزعج فقط من يريد إسقاط الحكومة. هي تزعج أيضاً بعض المصرفيين الخارجين عن القانون وبعض المسؤولين السابقين الذين اكتشفوا فجأة أن “السرية المصرفية” لا تعني السرية عن العدالة. ولهذا السبب أطلق مصرف لبنان سلسلة دعاوى داخل لبنان وخارجه ضد مسؤولين ومصرفيين كوّنوا ثروات خيالية بطريقة أقل ما يقال عنها إنها “معجزة مالية”، لكن على حساب أموال المصرف المركزي، أي عملياً على حساب أموال المودعين.

والأجمل أن دعاوى جديدة في الطريق.

لذلك رأينا تحالفاً تاريخياً نادراً في لبنان: من إبراهيم الأمين إلى وندين بركات، مروراً بمقدمي البرامج التلفزيونية، ومعلّقي الراديو، وخبراء “الاقتصاد الفوري”، ومدوني آخر الليل، ويوتيوبرز الصدمة، ومؤثري السوشال ميديا الذين ينتقلون من تحليل السياسة النقدية إلى إعلان شامبو الشعر خلال ثلاثين ثانية… الجميع اتحدوا فجأة على هدف واحد: مهاجمة مصرف لبنان وحاكمه.

لأول مرة في تاريخ لبنان، كل هذا الطيف السياسي والإعلامي والمالي متفق ضد طرف واحد.

وهذا لا يعني إلا واحداً من أمرين:
إما أن هذا الطرف مخطئ بالكامل…
أو أنه أصاب عصب الحقيقة بالكامل.

أما الحكم، فليس للهاشتاغات ولا للبرامج المسائية.
الحكم للتاريخ.
وللأفعال التي تقول دائم

أكثر بكثير من الكلمات.


المصدر : Transparency News