كتبت دانييلا صابر الخوري


لم يعد الحديث عن تراجع مستوى التعليم في لبنان مجرّد تحذيرات تربوية أو آراء أكاديمية، بل أصبح واقعاً ينعكس يومياً على الطلاب والمدارس والجامعات، في ظل قرارات استثنائية وأزمات متراكمة تضرب القطاع منذ سنوات. ومع قرار وزارة التربية إلغاء امتحانات الشهادة المتوسطة “البروفيه”، عاد الجدل ليتصدّر المشهد حول مستقبل التعليم الرسمي والخاص، وحول التأثير الحقيقي لهذه الخطوات على مستوى الطلاب العلمي وعلى صورة لبنان التعليمية التي لطالما اعتُبرت من الأقوى في المنطقة.

قرار إلغاء “البروفيه” فتح باباً واسعاً من القلق لدى الأهالي والأساتذة، خصوصاً أن هذه المرحلة كانت تُعتبر محطة أساسية لتقييم مستوى الطالب الأكاديمي قبل الانتقال إلى المرحلة الثانوية. ويرى تربويون أن غياب الامتحانات الرسمية يخفّف من الجدية الدراسية لدى عدد كبير من الطلاب، ويؤدي تدريجياً إلى تراجع مستوى الالتزام والتحصيل العلمي، خاصة في ظل غياب خطط إصلاحية واضحة تعوّض هذا الفراغ التقييمي.

ولا ينفصل هذا القرار عن الواقع الصعب الذي يعيشه القطاع التربوي منذ سنوات، بدءاً من الانهيار الاقتصادي، مروراً بجائحة كورونا، وصولاً إلى الحرب والتصعيد الأمني المتكرر في عدد من المناطق اللبنانية. فآلاف الطلاب عاشوا فترات طويلة من الانقطاع عن الدراسة، فيما اضطر كثيرون إلى ترك مقاعدهم المدرسية بسبب الظروف المعيشية أو النزوح أو الخوف من الأوضاع الأمنية.

كما أن الحرب الأخيرة تركت آثاراً نفسية وتعليمية عميقة على الأطفال، خصوصاً في المناطق التي شهدت قصفاً أو نزوحاً. فعدد كبير من التلامذة فقدوا الاستقرار الدراسي، فيما تحوّلت المدارس أحياناً إلى مراكز إيواء، الأمر الذي ساهم في تراجع المستوى التعليمي وخلق فجوات كبيرة بين الطلاب.

وزاد القلق بعد قرار وزارة التربية الفرنسية إلغاء امتحانات البكالوريا الفرنسية في لبنان خلال الظروف الأمنية الأخيرة، وهو ما اعتبره كثيرون مؤشراً خطيراً إلى حجم الأزمة التي يعيشها القطاع التعليمي اللبناني. فلبنان الذي كان يُعرف تاريخياً بأنه مركز أكاديمي وثقافي في المنطقة، بات اليوم يواجه خطر فقدان جودة التعليم التي ميّزته لعقود.

ويحذّر اختصاصيون من أن استمرار الحلول المؤقتة، من دون خطة إنقاذ تربوية حقيقية، قد يؤدي إلى تخريج أجيال تعاني ضعفاً أكاديمياً ومعرفياً كبيراً، ما سينعكس مستقبلاً على الجامعات وسوق العمل وحتى على صورة لبنان العلمية في الخارج.

وبين الحرب والانهيار الاقتصادي والقرارات الاستثنائية، يبقى الطالب اللبناني الحلقة الأضعف في أزمة يبدو أنها لم تعد تربوية فقط، بل أزمة تهدد مستقبل جيل كامل.


المصدر : Transparency News