في لحظةٍ يعيش فيها الجنوب اللبناني واحدة من أكثر مراحله صعوبةً وتعقيدًا، جاءت الجولة الميدانية التي قام بها وفد من حزب القوات اللبنانية في منطقتَي حاصبيا والعرقوب لتتجاوز الأطر التقليدية، وتتحوّل إلى رسالة وطنية واضحة حول حضور القوات اللبنانية كحزب يحمل مشروعًا وطنيًا عابرًا للطوائف والمناطق، ينفتح على كل البيئات اللبنانية التي تلتقي حول فكرة الدولة والسيادة والاستقرار.


الجولة التي شملت لقاءات مع اتحادات بلديات ومرجعيات روحية وفعاليات سياسية واجتماعية وإنمائية، عكست مشهدًا مختلفًا عن الصورة النمطية التي حاول البعض حصر القوات اللبنانية فيها لسنوات. فالمشاركة الواسعة لبلديات وفعاليات من العرقوب وحاصبيا، ومن مختلف الطوائف والانتماءات، إلى جانب حضور وفد من أهالي الهبارية برئاسة مختار البلدة، حملت دلالات تتجاوز البعد البروتوكولي، لتؤكد وجود مساحة وطنية مشتركة في الجنوب تبحث عن خطاب الدولة، وترفض تحويل المنطقة مجددًا إلى ساحة مفتوحة للحروب والصراعات الإقليمية.

وفي هذا السياق، بدا واضحًا أن القوات اللبنانية تحاول تكريس معادلة سياسية مختلفة في مقاربة الجنوب، فالجنوب لا يُختزل بالحرب، ولا يُربط مصيره بالمحاور الإقليمية، بل يُعاد دمجه بمشروع الدولة اللبنانية. لذلك، لم يكن تفصيلًا أن تبرز خلال اللقاءات الدعوات إلى تعزيز حضور الدولة والجيش اللبناني، والعمل على تأمين الخدمات الأساسية وإطلاق خطط إنمائية مستدامة، بالتوازي مع التشديد على رفض المغامرات العسكرية التي دفعت المنطقة وأهلها أثمانًا بشرية واقتصادية واجتماعية باهظة.

كما حملت الجولة بعدًا رمزيًا مهمًا على مستوى الانفتاح الوطني. فاللقاءات مع المرجعيات الدينية المسيحية، ومع شخصيات وبلديات وفعاليات من بيئات سياسية وطائفية متنوّعة، عكست محاولة واضحة لترسيخ القوات اللبنانية كقوّة سياسية تتوجّه إلى اللبنانيين كافة، لا إلى جمهورها فقط. وهذا ما ظهر أيضًا في الخطاب الذي ركّز على مفاهيم السلام والاستقرار والسيادة، بدل خطاب الاصطفافات والانقسامات.

وفي خلفية هذه الجولة، تبرز التحديات التي يواجهها الجنوب اليوم، بين خيار الدولة وخيار الحروب. فبعد سنوات طويلة من ربط الجنوب بمنطق "الساحات" والصراعات المفتوحة، ترتفع داخل البيئة الجنوبية نفسها أصوات تدعو إلى إعادة الاعتبار للدولة اللبنانية باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على حماية الأرض والناس، عبر المؤسسات الشرعية والجيش والدبلوماسية والاستقرار، لا عبر إبقاء لبنان رهينة حسابات المحاور الإقليمية.

من هنا، يمكن قراءة الجولة "القواتية" في الجنوب كجزء من محاولة سياسية أوسع لإعادة بناء خطاب سيادي ووطني داخل مناطق لطالما وُضعت في قلب الاشتباكات الإقليمية. وهي محاولة تسعى إلى القول إن حماية الجنوب لا تكون عبر المزيد من الحروب، بل عبر تثبيت الدولة، وحصر القرار الاستراتيجي بالمؤسسات الشرعية، وفتح الباب أمام سلام واستقرار يسمحان لأبناء المنطقة بالبقاء في أرضهم واستعادة حياتهم الطبيعية.


المصدر : Transparency News