في وقتٍ لا يزال فيه جزء كبير من الطبقة السياسية اللبنانية يعيش داخل حسابات الخوف، والمساومات، وإدارة الانهيار بدل مواجهته، يبرز اسم فؤاد مخزومي كواحد من أكثر السياسيين اللبنانيين جرأة في طرح الأسئلة التي تهرّب منها الآخرون لعقود، وكأحد القلائل الذين قرروا مواجهة “التابوهات” السياسية والاقتصادية والأمنية بلا مواربة.


وتؤكد أوساط دبلوماسية عربية وغربية أن مواقف مخزومي خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد حرب الجنوب والتطورات الإقليمية الأخيرة، شكّلت تحولاً نوعياً في الخطاب السياسي اللبناني، معتبرة أن الرجل “رفع أعلى سقف سياسي سيادي في لبنان”، عبر الدعوة الواضحة إلى استعادة الدولة اللبنانية قرارها الكامل، وإنهاء واقع الميليشيات والسلاح الخارج عن الشرعية، وإعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي ضمن المنظومة العربية والدولية.

وترى تلك الأوساط أن أهمية مخزومي لا تكمن فقط في طبيعة المواقف التي يطلقها، بل في توقيتها أيضاً. ففي لحظة كان معظم السياسيين اللبنانيين يتجنبون حتى استخدام تعابير مثل “السلام”، “التفاوض المباشر”، أو “إلغاء قوانين المقاطعة”، خرج مخزومي ليقول بشكل واضح إن لبنان لا يستطيع الاستمرار أسيراً لقوانين تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، وإن قانون مقاطعة إسرائيل لعام 1955 بات يتناقض مع طبيعة الاقتصاد العالمي والشركات متعددة الجنسيات، ويمنع لبنان من الانفتاح على الاقتصاد الدولي والاستفادة من التحولات الكبرى في المنطقة.  

وبحسب هذه الأوساط، فإن ما قاله مخزومي لم يكن مجرد “استفزاز سياسي”، بل توصيفاً واقعياً لتحولات الشرق الأوسط. فالرجل قرأ مبكراً أن المنطقة تتجه نحو إعادة تشكيل اقتصادية وسياسية كبرى، وأن لبنان لا يمكنه البقاء معزولاً داخل خطاب يعود إلى الحرب الباردة، فيما العالم يبني شبكات اقتصادية عابرة للحدود، من التكنولوجيا والطاقة إلى الخدمات المالية والاستثمارات.

وفي هذا السياق، لفتت الأوساط نفسها إلى أن مخزومي كان من أوائل السياسيين اللبنانيين الذين تحدثوا بشكل واضح عن ضرورة ربط استعادة السيادة بالإصلاح الاقتصادي، معتبرين أن مشروعه لم يكن محصوراً بالشعارات السياسية، بل تضمن أيضاً خارطة طريق اقتصادية متكاملة للخروج من الانهيار المالي، وإعادة بناء القطاع المصرفي، واستعادة ثقة المجتمع الدولي والعربي بلبنان.

وتشير هذه الأوساط إلى أن العديد من الطروحات التي قدمها مخزومي منذ سنوات، من ضبط الاقتصاد الموازي، إلى إصلاح القطاع المالي، مروراً بضرورة تطبيق القوانين الدولية وإعادة هيبة الدولة، تحولت اليوم إلى شروط أساسية يضعها المجتمع الدولي لأي عملية دعم للبنان.

كما تعتبر تلك الأوساط أن مخزومي كان من السياسيين القلائل الذين قرأوا مبكراً خطورة استمرار ربط القرار اللبناني بالمحور الإيراني، ولذلك طالب منذ سنوات بتطبيق القرار الأممي 1701 بشكل كامل، حتى قبل أحداث 7 أكتوبر 2023، وقبل أن يتحول هذا الملف إلى أولوية دولية وإقليمية. وتشير إلى أن مشاركته في وفد نيابي إلى الأمم المتحدة للمطالبة بتطبيق القرار عكست رؤية استراتيجية استباقية لما قد يواجهه لبنان لاحقاً إذا استمر واقع السلاح خارج الدولة.  

وفي موازاة ذلك، تتوقف هذه الأوساط عند مواقف مخزومي الأخيرة التي دعمت بشكل واضح خيار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، باعتبار أن أي تسوية مستقبلية لا يمكن أن تتم عبر الشعارات، بل عبر الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية. 

وترى الأوساط الدبلوماسية أن مخزومي لم يكتفِ بإطلاق مواقف إعلامية، بل حاول أيضاً الدفع باتجاه إعادة تكوين حالة وطنية سنية معتدلة داعمة للدولة، من خلال مساعي التلاقي بين النواب السنّة حول ملفات وطنية أساسية، ودعم الحكومة اللبنانية، ورفض الفراغ والفوضى والانقسام. 

وتضيف أن ما يميز مخزومي عن كثير من السياسيين التقليديين هو أنه يتحدث بلغة “الدولة الحديثة”، لا بلغة الحرب الأهلية أو الاصطفافات القديمة. فهو يربط بين السيادة والاقتصاد، وبين الأمن والاستثمار، وبين الاستقرار والانفتاح الدولي، ويرى أن لبنان لا يمكن أن ينهض طالما بقي رهينة اقتصاد التهريب والسلاح والدويلات الموازية.

وفي مقابلاته الأخيرة، ومنها الحوار الذي أثار جدلاً واسعاً مع المؤثر والناشط ماريو نوفل، قدم مخزومي خطاباً غير مسبوق في الحياة السياسية اللبنانية، تحدث فيه عن ضرورة “إعادة ضبط” المسار اللبناني بالكامل، واستعادة القرار السياسي والأمني من القوى غير الشرعية، والانخراط في مسار إقليمي جديد يقوم على المصالح الاقتصادية والاستقرار بدل الحروب الدائمة.  

وبالنسبة إلى تلك الأوساط، فإن ما يقوم به مخزومي اليوم يتجاوز حدود المعارضة التقليدية. فالرجل، بحسب وصفها، يحاول نقل لبنان من مرحلة “إدارة الانهيار” إلى مرحلة “إعادة تأسيس الدولة”، عبر خطاب سياسي صدامي مع المنظومة القديمة، لكنه منسجم مع التحولات الإقليمية والدولية التي تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط.

وفي بلد اعتاد فيه السياسيون الاختباء خلف العبارات الرمادية، يبدو أن فؤاد مخزومي اختار طريقاً مختلفاً: قول ما يفكر فيه كثيرون بصوت مرتفع، حتى لو كلّفه ذلك حملات تخوين وهجمات سياسية وإعلامية. لكن بالنسبة إلى داعميه، فإن هذا تحديداً ما يجعل حضوره يتوسع داخل البيئة اللبنانية والعربية والدولية: لأنه يتحدث بلغة المستقبل، فيما لا يزال خصومه أسرى الماضي.


المصدر : Transparency News